العمود

التفكير بصوت عال: شاشات الحياة

لا يوجد شيء ارتبطت به ودام ارتباطي به في الحياة كالسنما والكتب. مع غلبة تاريخية غير ذات بال للسنما لأنني بدأت بعشق الفضاء الأسود المظلم الذي يخفي طقوسا معقدة مع الأفلام قبل أن ابدأ قصة الحب المبنية على الملامسة والمداعبة والنظر المتلصص والرنو وإطالة التأمل في المعشوق وإيلاج أشيائي في أشيائه … وكل تلك التفاصيل الحميمية التي تحدث لنا مع الكتاب.
في بيتي الصغير في الميلية (وليس كبيت فيروز الذي في كندا) في حي حمادة المعروف ببومهران (وليس كبيت فيروز الذي “ما بيعرف عنوانو حدا) التقطت عادة السهر عائليا مع الأفلام. فلم السهرة كان طقسا معقدا لا تستثنى منه سوى والدتي التي لم تكن منجذبة الى الأفلام الناطقة باللغة الفرنسية والتي فيها أناس يقبل بعضهم بعضا ورجال يقبلون نساء من الفم. كانت تفضل السهر في غرفة البنات رفقة أصغر الأبناء عموما ممن يكون دون السابعة أو الثامنة؛ وكانت السن التي ينتقل فيها الأولاد إلى “الصالون” غرفة الاستقبال التي تحوي جهاز التلفزيون الألماني المتطور (ITT) والذي كان يحمل طقسا جميلا ثابتا هو الرسوم المتحركة من الساعة الخامسة حتى السادسة، ثم المسلسل المصري الواحد الأحد الذي لا شريك له من السابعة حتى حوالي الثامنة، ثم فلم السهرة السنمائي الأميركي عموما والفرنسي في حالات قليلة أو الأوروبي نادرا والمصري مرة واحدة في الأسبوع. أسبوع عروسه سنمائيا هو فلم سهرة الخميس الذي هو فلم سنمائي من أفلام المغامرات، ببطل كبير من مشاهير التمثيل آنذاك أو من كلاسيكيات السنما في المرحلة الذهبية؛ مرحلة الثلاثين المجيدة للسنما (من الأربعينيات حتى الستينيات)…
كانت ريتا هايوورث عندي ابنة عم لفاتن حمامة، وجينا لولوبريجيدا كانت جارة في العائلة المظلمة لسيمون سينيوري وناثالي وود و إنغريد بيرغمان وجولي كريستي…كلهن كن من رواد بيتنا، وكلهم كانوا يتكلمون الفرنسية ( أعلم أن الصحيح هو أن أقول كن، يتكلمن، …ولكنني أعلم أن القاعدة السنمائية ستجعل مع كل امرأة من هؤلاء رجلا، فقبالة “لا”وراء كل ممثلة شهيرة ممثل شهير يبادلها الكلام والحكايا والـ……ــقبل: غلين فورد، عمر شريف،فيطوريو غاسمان، إيف مونطون، جيمس دين،غريغوري بيك، مارلون براندو…أيضا كانوا من أهل بيتنا المظلم ليلا بالضرورة لكي تشتعل الحياة من خلال السنما.
مع الأفلام تعلمت كل شيء حول الحياة، تبرها وترابها، حلوها ومرها، وضوحها وغموضها، سلاستها وتعقيدها، يسرها الذي بعد عسرها، … لا يوجد موقف في الحياة مر بي لم تقف أمامه حالة سنمائية من آلاف الأفلام التي تفرجت عليها بتأن يسمى في معجمي السيرذاتي “التركيز مع فلم جميل”.
الفلم الجميل عندي قصة معقدة. حوار كثيف.إحالات ثقافية وألعاب كلامية. تقلبات سيناريو ذكية. خلو من الفجاجة. فجائعية معينة. ارتباط مع الحياة. (أخي الصغير كان يحبني ويعشق الجلوس إلى فلم مع أخيه “الشيخ” كما كان –ولا زال يسميني- وكان يصف هذا النوع من الأفلام بالأفلام المملة التي فيها الكلام وليس فيها حركة “السامطة تاع الهدرة”).
مخرجيّ المفضلون هم جماعة سنما المؤلف وودي آلن- اليا كازان- يوسف شاهين- غودار- لوي مال- فيليني- دي سيكا- روسيليني- كاسافيتيس-إيستوود- مانويل دي اوليفييرا- كيوبريك- انغمار بيرغمان- بورمان.. ثم لاحقا: كوينتن طارانتينو، رودريغيز، بول آندرسن، لاسي هالستروم، سبايك جونز، ميشال غوندري، …الخ
في مرحلة مقبلة سيتحول سواد غرفة الاستقبال الى سواد قاعات السنما التي ستختفي تدريجيا في جزائر الأزمة لكي لا يبقى منها إلا ما رحم ربك من قاعات وسخة غير مزودة بالأفلام الجديدة، أفلام تعيسة تقول تعاسة البلاد. أفلام رخيصة نقول هوان كل شيء على المسؤولين عن البلاد.
الجمهور الذي كان يدخل القاعات كان نظيفا، عائليا، أصدقاء من طبقات معينة. كان من النادر أن تجد اثنين أو ثلاثة يتحدثون بلا توقف فيما الفلم يسير.
في آخر مرة دخلت السنما مع صديق العمر والسنما نبيل ….نبيل دادوة طبعا (وحده لا شريك له)…شاهدنا فلما جميلا من الخيال العلمي عنوانه “جزيرة” island وأحداثه تدور حول الاستنتساخ وحول الفكرة الشائعة في عالم الهندسة الجينية كمحاولة لإجابة أسئلة من قبيل: هل يمكننا أن نربي أعضاء في أجسام حاوية لأعضاء لاستعمالها في حالات المرض؟ وماذا نفعل بالبسر الذين ننزع منهم هذه الأعضاء؟ هل سيصيرون “خردة بشرية”؟…
لم يدهشنا الفلم بقدر ما أدهشنا الكم الضخم من أزواج العشاق المحرومين من أماكن لممارسة بعض التخفي من العيون المراقبة وللتمتع بجرعات شحيحة من حميمية يرونها في الأفلام متاحة إلى حد باعث على الحنق…
هل يمكن التفكير في سنما لإنسان به عطش الحب؟ عطش القبلة والضمة؟ هل يدخل قاعة سوداء للتفرج على الحياة من لا يملك داخله إلا الزوايا التي يسودها غياب الحياة؟ وهل يطمح للاطلاع على جديد حيوات وعقول الآخرين من هو بلا حياة اصلا؟
هل يدخل توق “الآخر” من هو دون “أنا”؟
الحرمان فلم مؤلم جدا في سنما الحياة.
من أجمل التجارب السنمائية التي زينت مشاهداتي فلم “اثنا عشر رجلا غاضبا” … قصة محاكمة غريبة نصفها يدور في غرفة مداولات المحلفين، تبدأ القصة بيقين جميع المحلفين بأن الشاب المتهم بالجريمة مذنب عدا واحدا منهم (يلعب دوره هنري فوندا) وتنتهي إلى أن هنري فوندا يغير آراء الجميع وسط سيناريو ذكي جدا يصنع من غرفة صغيرة ومن عدة أشخاص يتبادلون النقاش والتداول عالما دراميا شديد التعقيد تتغير فيه الأقدار وتتضح ملامح المحلفين الذين هم شخصيات تحمل – كما يحدث في سنما الحياة- وجدانا لا تتخلى عنه، تحمل عقدا، وهواجس ومخاوف تساهم دوما في رسم معالم التفكير، وفي اتخاذ القرارات الحاسمة في الحياة (الشخصية التي يلعب دورها رود ستيغر في الفلم نكتشف أنها تحاسب المتهم على خلفية ذاتية وتنتهي إلى الانهيار التام مع الخاتمة الدرامية للفلم).
سار معي مطولا هذا الفلم برسالته الهامة: ربما نبدأ الفلم موقنين بأن شخصا ما مذنب حقه الموت، وننهيه بعد ساعتين أو أقل من ذلك والمذنب بريء، ولأجل ذلك يحتاج شخص ما أن يقف ضد التيار.
ربما يكون هذا هو الفرق بين تاريخ قوي فائز وتاريخ خائر منهزم.
رجل يقوم بعمله متحديا التيار.
فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.