العمود

التفكير بصوت عال: صوت من لا صوت لهم

فيصل الأحمر

بدأت الدول المستعمرة صامتة بلا ثقافة، ولكنها شيئا فشيئا بدأت تتخذ لها صوتا، وإذا نظرنا على المستوى الجيواستراتيجي الذي يتدخل مباشرة في حياة الناس، وجدنا مصفوفة من الكليشيهات التي استوجبت ضرورة “الرد بالكتابة” واستعادة “الحق في السرد” – حسب مصطلحي بيل آشكروفت ثم إدورد سعيد على التوالي، ودون احترام التراتب الزمني- …ولهذا نجد التركيز الكبير على السرد بصفته الخطاب الأكثر سريانا في العالم، عالم أصبح يميل صوب التعظيم من قيمة الحقيقة السردية، الحقيقة التي تستعيد الذات دورها من خلالها، ومن خلال العمل في كنفها على الصياغات المضادة للآخر لاسترجاع مكانة يبدو أنها قد سحبت من الذات في غفلة من السرد.

يقودنا الحديث عن الوفاء للإنسان الصانع لحقيقته التي تم التلاعب بها إلى الحديث عن سلطة الذات، سلطة علينا أن نبحث عنها وسط زحام من الخطابات والتفاصيل الخطابية، إن النص الروائي الذي جرت العادة على عده تمثيلا للواقع قد تحول شيئا فشيئا ومع تراكم النصوص وكثرتها إلى تمثيل صورة معينة، فريدة، متميزة للواقع (هل هي صورة ذاتية؟). صورة الواقع كما تنعكس على مرآة الذات، فإذا كان الوجدان مفارقا وغير كرونولوجي، وكان غامضا متقلبا، فعلى النص أن يكتسي هذه الصفات بالضرورة.

في محاولة الربط بين الذات والتمثيل الفلسفي للآخر، علينا أن نتنبه إلى مسافة رمزية هامة تهدف مبدئيا إلى تفكيك الواقع البسيط الخطي الخاضع لهيمنة الآخر الغربي من أجل إعادة تركيبه بشكل تهيمن عليه استراتيجيات السرد المضاد التي هي واقعية بديلة – إن سمح لنا الاصطلاح- فهي نصوص لا تفتأ تبحث لها وسط الميراث النقدي للنوع الروائي ووسط التعقيد التمثيلي عن شكل معين، وهذا الشكل- منا تقول نبيلة إبراهيم- “لا يتكون إلا بعد معاينة عميقة للواقع، فإن القص في هذه الحالة، يواجه إشكالية تمثيل الواقع من ناحية، وعدم الرغبة في تمثيلـه من ناحية أخرى، والوسيلة لحل هذه الإشكالية هـي استخدام الشكل التجريدي والخيال المكثف، وقد لا يصمد هذا التجريد والإغراق في الخيال في مواجهة الواقع، ولكنه يصمد بوصفه بناءا فكريا مستقلا، ولهذا فإنه لا يجوز في هذه الحالة، أن نتحدث عن المحاكاة بأي معنى من المعاني، لأن الكاتب لا يريد أن يحاكي شيئا، بل يريد أن يمثل المعنى في تشكيل لغوي يساوي قيمة التجربة”.

إن الذات تخلق لنفسها في إطار مقولات ما بعد الكولونيالية مكانا متميزا يصل حد تغيير التقويم التاريخي للظواهر الإنسانية، يقول جياني فاتيمو في هذا الإطار أن العبقرية الشعرية، والتي هي أكبر تجل للذات في ميدان الإدراك، تشير على محور التاريخ من خلال تراكم للقطيعات، تراكم يخلق تاريخيته الخاصة، و”تعارض هذه التاريخية التي أنتجتها الأرواح الميكانيكية (ولكن أيضا العلماء العظام) الحياد التاريخي للعبقرية (لا تاريخية الظاهرة العبقرية)، التي لا يمكنها أن تعلم الآخر أساليب ابتكارها وإنتاجها، إذ ليس بوسعها أن تشرح ذلك كليا بنفسها، ولكن أعمال العباقرة تبقى مثل نماذج وأمثلة، وعندما تخلق الطبيعة عباقرة على اتصال معها يصيرون الفرصة لإنتاج جديد مماثل، الأمر الخليق أكثر من أي أمر آخر بأن يتخذ صفة التاريخية.(فاتيمو، جياني: نهاية الحداثة، الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة، ص 107.)

إن خلاصة هذه المقولة هي أنها لا توجد وصفة سردية جاهزة، ولا يوجد مخطط مسبق قابل للتوصيف تحدث القطائع التاريخية وفقا له، وإنما نعول في هذا الأمر على ركام الظواهر “الغريبة” أو”جديدة الدلالة” و”المستعصية على الوصف والتأويل الامبراطوري الواضح” لكي  يصير ركام القطائع نوعا من التواصل في إطار السرد المضاد، والتمثيل المعاكس، والرد بالكتابة.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق