العمود

التفكير بصوت عال: فخامته…الشعب

ونحن نتابع كباقي الجزائريين أحداث الحراك الشعبي مؤخرا طرحت ابنتي مايا علي سؤالا غريبا، سؤالا يطرح فرضية مثيرة للتأمل: “لماذا لا نكون جميعا رؤساء ونحل مشكل الرئيس المريض أو الغائب؟”.

حاولت أن أزودها ببعض المفاهيم القاعدية حول التمثيل ومعنى السلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم…الخ الخ…المحفوظات المعهودة طبعا…ثم جعلت أتساءل عن كون تلميذ في المستوى الثانوي لا يعلم هذه الأمور التي لا يعرفها حتى  طلبتي في الجامعة.

واستدرجني السؤال حول سر جهل الجزائري بالأمور السياسية خارج دائرة الاحتجاج الذي يفتقر طبعا إلى التنظير، إلى طرح السؤال حول أصل السلطة، والذي يجر صوب سؤالين رئيسيين: ما السلطة وما مصدرها؟ ثم كيف تعمل؟

الواقع هو أننا لا نملك مطلقًا سلطة عن طريق الحق الإلهي أو سلطة بقوة الأشياء، فالسلطة تبدأ حينما يقبل غيرنا الخضوع لنا في إطار اعتراف شخص  أو أشخاص هي مسلطة عليهم، بأنها أمر لا مفر منه أو ضروري أو مرغوب فيه. وهو مبدأ التمثيل التصاعدي أو التنازلي للنظام الديمقراطي أو الجمهوري عموما.

بشكل ما يمكننا عد السلطة مسألة رياضية، أو كنظام بديهي أكثر دقة: إنها تعمل من اللحظة التي تنتج فيها المنظومة الجبرية للهرم التمثيلي.  مإنه نظام يعمل منذ اللحظة التي يتحرك فيها من الحد الأدنى البديهي: شخص واحد فقط صوب تصور منظومة تعد هي الأصل في الهرم السلطوي.

يمكن أخذ هذا الأصل سواء من وجهة نظر تاريخية أو منطقية أو أنثروبولوجية: في جميع الحالات سنلاحظ  الشيء نقسه: فالسلطة اكتسبت المسار نفسه: إذ يتم تمثيل السلطة في البداية بشكل سماوي كما كانت في العالم القديم، أو بالشكل الحديث الذي يدخل الشعب كمعطى سياسي.

كان التحدي كله في ترجمة الشعب الذي هو مصدر معنى لسلطة حقيقية. الشعب الذي عكس هرم السلطة القديم. الهرم الذي كان أعلاه إله يتدرج إلى الناس البسطاء عن طريق سلسة تنازلية من الممثلين للسلطة الإلهية تحول إلى هرم تصاعدي عن طريق سلسلة تصاعدية من الممثلين لسلطة الشعب صعودا إلى رئيس الجمهورية.

في هذا التصور “الجمهوري” أو “الديمقراطي الحديث” أو “اللائكي” يصبح الشعب هو الصورة البشرية الملموسة لإرادة الله بعيدا عن شكلها الرمزي.

السؤال الذي غالبا ما يطرح في هذا السياق هو: كيف نضمن وصول صوت الشعب في شكله الصحيح في ظل ما نراه من التعتيم ومما يسميه نوام تشومسكي بسياسات الإلهاء؟.

الجواب هو الحرص على توسيع دائرة الحوار والتبادل بين أفراد المجتمع، والحقيقة أن التجربة الديمقراطية قد أفرزت ميكانيزمات كثيرة من أكثرها نجاعة عرض القضايا التي نستشعر فيها الحرج والخطر وإمكانيات الاختلاف بين الناس أو إمكانيات تشكيل خطر معين تترتب عنه تبعات مستقبلية على الاستفتاء الجماهيري لأجل ضمان حضور صوت الشعب باستمرار في ممارسة الحكم وفي تمظهرات السلطة التي غالبا ما تلتزم بعنوان “السلطة الشعبية”  لكي تبتعد عنها سريعا منتقلة إلى غيرها من أشكال السلطة.

السؤال الآخر الذي غالبا ما يطرح من قبل النخب التي جرت العادة ان تكون وصية على الحقيقة وعلى الصواب هي: كيف نضمن عدم وقوع الجماعات المنتخبة والممارسة للحكم في الخطأ إذا كانت غير مؤهلة أصلا لاستصدار الحكم؟.

السؤال يعود في الحقيقة إلى زمن أفلاطون الذي رفض النظام الديمقراطي رفضا صارما، والذي فكر أول ما فكر في أن يكون الملك فيلسوفا أي مؤهلا للتعاطي مع الحكم والقدرة على البت في الأمور، ولكنه تصور ظل حبيس الجمهورية ولم يتمكن من الخروج على أرض الواقع.

الإجابة التي اقترحها المحدثون هي ترك الشعوب تخطأ، وعدم التحرج من إعطاء حصانة مطلقة للشعوب التي لا بد أنها تستفيد من أخطائها التاريخية. ليكون القاضي الوحيد في شؤونهم هو الانتخاب والتصويت فتتم معاقبة المخطئين من خلال حرمانهم من ممارسة السياسة لاحقا. سيدعم هذا الأمر ميكاميزم المعارضة التي ستكون دوما حاضرة لتقويم الجهاز الحاكم ولضمان صلابة السلطة وبقاءها على سواء السبيل الشعبي.

فيصل الأحمر

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق