العمود

التفكير بصوت عال: قهوة أبي

كان أبي يشرب قهوته بوجه مكفهر جدا، وجه الأب الذي كنت أعتقده عقوبة استفردت بها وحدي، كان متجهما دائما. كان علي انتظار الثامنة عشرة وقراءة “بين القصرين”، لكي أعرف ان أبي موجود في مكان آخر من العالم. مكان منعني منه شيء غامض ما لا أعرفه جيدا.
ما الذي حال بيننا كل هذه السنوات يا أبي؟
عشت حياة جميلة بسبب مجد وهمي لحق بي بلا جهد كبير. المجد فتى أعمى مثل كيوبيد لدى الإغريق يرمي العالم بسهامه التراجيدية ظانا نفسه يتحرك داخل كوميديا ما.
طفل أعمى لا أم تحضنه ونقول له افعل ولا تفعل.
مثل الحب في نص أوبرا كارمن l’amour est un enfant en liberté
كانت لأبي طريقة مقرفة في التربية. يتجهم ليفهمك أن الهوة بينكما لا أمل في ردمها، وأن ما تفعله كله من اجتهاد ودراسة وتصرف كيس لا يمكن ان يقابل بشيء آخر عدا ضمان المأكل والمشرب وضروريات الحياة التي كنت أعدها تحصيل حاصل.
– أبي أحتاج مبلغا من المال لشأن إدراي في المدرسة
– هل سنعمل على المدرسة فقط؟ دائما يطلبون… هل يأكلون المال أم ماذا؟

– أبي لا بد لي من مصروف جيب…أنا في الثانوية…كل زملائي لديهم قطع نقدية في جيبهم إلا أنا..
– هذه ليست تربية…لا ينقصك شيء…إذا احتجت إلى أي شيء أنا هنا…

– ابي… تمزق سروالي…
– كرّهتمولي حياتي…ليتني لم أنجبكم…

قهوة أبي كانت بلا ملامح. فيها الرائحة فقط.
هل تكفي الرائحة لكي نعالج فقر الحياة؟
كبرت وأصبحت أشرب كثيرا من القهوة من باب تسوية وضعية الكافيين فقط.
كبرت وفهمت أن أبي كان يعيش جنونا لم يكن مسؤولا عنه. هو الذي ورث البلاد والفقر هو الذي تزوج بامرأة أمية بعدما عايش فرنسيات نظيفات جميلات يدخن السيغار ويقدن السيارات في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات…هو الذي كان يرقص التويست كما يرقصه الفنانون على شاشة التلفزيون…(أبي علمني رقص التويست ….بكل غرابة)..
كنت أشم الرائحة تأتيني إلى الفراش من بعيد. وكنت انتظر الثامنة عشرة لأنه خيل لي أنها سن البلوغ. جاءني البلوغ العضوي باكرا في الثانية عشرة وكان رائعا. أروع من القهوة بكثير. أو ربما مثلها في اللذة. لا لا البلوغ واللذة الجنسية البريئة أحلى من القهوة…ومن الحليب أكثر. من الغريب أن عاصمة اللذة الجنسية “زوجتي” لا تحب لا الحليب ولا القهوة. هي متجهمة إزاءهما بشكل غريب يذكر بأبي.
ولكنه موضوع آخر.
كنت أقرا عن قتل الأب، وكثيرا ما تمنيت قتل أبي لأنه كان فظيعا في التعامل مع أمي التي ظلت طوال حياتها تستيقظ لتحضير قهوته الصباحية. رغم أنه يستطيع أن يخضرها لنفسه. حياة طويلة عريضة من تحضير قهوة لرجل سليط اللسان لا يفوت فرصة لإهانتها؛ هي الأمية التي لا حيلة لها قبالته هو المثقف (أو شبه المثقف) الذي يجيد القراءة والكتابة ويقرأ الكتب ويسافر دوما إلى فرنسا ويعرف كل شيء ويتحدث عن الصوربون التي زارها في باريس وأخذ صورا معها.
لاحقا سأعرف أن أبي رجل رائع، وأن الحياة مدعاة للتهجم في كثير من السياقات وفي كثير جدا من الأحيان، وسأختصم مع زوجتي مرارا (ولن أهينها لأنني تعلمت من والدي بأن طعم القهوة أحلى حينما يبتسم من يحضرها لك ويقاسمك الجلسة والمزاج…المزاج…يا لها من كلمة عظيمة…تذكرني بالطرب العربي وبالقوسطو…الكلمة الجزائرية الدارجة ذات الاصول الايطالية)…
لاحقا سأفهم ان أمي لم يكن أمامها أي أمل لإسعاد أبي على الطريقة التي تعلمها من الأفلام. وأن القدر أعمى أحيانا…وأن ما حدث لا قوة تقوى على تغييره.
سوف أشعر بثلاث لحظات سعادة كبيرة بفضل أبي: الأولى وأنا آخذ كتابا من السلاسل الرخيصة التي كانت منتشرة آنذاك: “Gérard de Villiers يقدم”…وهي كتب مغامرات عجائبية تتخللها مغامرات جنسية مثيرة جدا، وعلى هامش إحدى قراءاتي تلك في المرحاض بلغت بالشكل الذي كنت اسمع عنه فقط، وخرج مني المني لأول مرة في حياتي، وشعرت بالرغبة في إطلاق زغاريد عيد الاستقلال.
اللحظة الثانية بعد عام من ذلك رافقت أبي إلى مكتبة ما في المدينة فاشترى لي كتابين : جزيرة الكنز لستيفنسن، وطاراس بولبا لبوشكين. وكانا أول كتابين أحظى بهما في حياتي المليئة بالكتب.
اللحظة الثالثة حينما شربت قهوة في المساء لأجل السهر، ورأى أبي ذلك ولم بيد أية ملاحظة سيئة مما يتفنن في إنتاجه وإخراجه وتوزيعه…
أبي زوس في أولمب الملاحظات…
كنت بصدد التحضير لامتحان الباكالوريا، وكانت القهوة جزءا من برنامج الدراسة لأنها الطريقة الوحيدة لسهر الليالي الذي كان الشرط الوحيد المتوفر حينها لبلوغ العلى.
نسيت مع الوقت أن أقتل أبي، ولكنني تعلمت جيدا كيف أولد مرارا.
فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق