ثقافة

التكرار في العمل الأدبي ورقة خاسرة أخرى لمؤلفها

لا يزال عديد الكتاب ممن حصدوا لأنفسهم ألقاب كتاب، يعيشون في وضعية تشبه بداياتهم وأفكارهم التي تبنوها في أولى  اللحظات التي يقررون من خلالها أن يحملوا “هم وفرح القلم” على طريقة الحبكة وحتى الدراما التي تعمل على إثارة شهية القراء لالتهام ما يكتبونه من أحاسيس ومشاعر وكلمات تخرج من أعماق فكره لتصل إلى قلب القارئ، وأجزم أن الكاتب الذين قرر أن يكون كذلك في لحظة مؤثرة من حياته سيقول “واو…نعم لقد خلقت لأكون كاتب”، فمن جانب آخر يمكن أن يكون كذلك ويعتز به قرائه، وقد يكون أشبه بالآلة الطابعة التي تعيد نسخ نفس الافكار والمشاهد بأسلوب وبطرق مغايرة، أليس من المهانة أن يحدث الأمر بمثل هذه الطرق الشنيعة في الانتاج؟، ألا يجدر أن يكون هنالك تنوع في بهارات الكتب كما يحدث في الأكلات؟.

ليس من الجيد أن تكون الأعمال الأدبية مدعاة للمل، يحصل ذلك عندما يتبنى كاتب ما مسارات وهمية على أن الخط الذي ينزلق فيه محيطه الحبري يجعله مميزا بطريقة أو بأخرى عن غيره من الكتاب باختيار موضوع ما وتفانيه فيه والكتابة عنه مطولا بل وأن يعمد  لخلق معجمات وروايات بنفس الكم الهائل من التشابه الذي يعترينا عندما نقوم بفعل القراءة، ولعل الأنسب أن يبحث الكاتبة عن تأملات أخرى بدل أن يقبع في متاهة إعادة نفس الشيء بنفس التوابل لكن الديكور فقط من يكون مختلفا، أليس في الأخير الذوق ذاته رغم المؤلفات التي عمل على أن تكون ضمن مشروعية القارئ النهم الذي ما عاد له القدرة على الاحتمال في زج نفسه في نفس المتاهة الكتابية وبطريقة هي نفسها لكنها تختلف في أحداثها، أليس ذلك أكثر مأساوية من القراءة في حد ذاتها.

كان علي أن أصدح بالأشياء التي لطالما كنت أقرأ لها وأجدني محاطة بنفس المشاعر التي حملتها مع أولى أعمالهم وثانيها وثالثها وسابعها، فكان الأجدر أن يعمل كاتبها بدل تبني نفس الفئة التي حملت على خلق الدهشة لقارئها وجعلته نجمه الكتابي، إلى توسيع نطاق التجديد حيث يختزل كل الفئات ويحدث ذلك الحجم الهائل من الأحداث الغير متوقعة، والكتاب من مزاياهم كثيرون، وعلى الأحرى فالشهرة من يفعل فعلها بتنميط العمل الأدبي في نفس الفاجعة والمسار والأحزان والكآبة والخيانة ومدرجات العشق التي تنضوي على التكرار الذي أصبحنا نمل حقا منه، وأعتقد أنني ما لبثت أن سمعت أن احدى الكاتبات في العالم العربي الذي “بدأ نجمها يأفل على الاقل بالنسبة لي”،أنجبت كتابا جديدا، فكان من السهل علي أن أخمن على أنه نسخة طبق الأصل على مثيلاته من الروايات الأخرى، بأحداث وأماكن وأزمنة مختلفة لكن المحتوى يبقى واحد، وهو ما حصل فعلا، أليس الأجدر أن يكون العمل الجديد مدعاة للفضول وأن يصنع نوعا من الغموض إلى أخر صفحة نتصفحها أو نقرأها، يحدث ذلك عند بعض الكتاب العالميين الذين قرأت لهم، ووجدت أن في كل رواية جزء آخر من عالم لم يتم ذكره في عملهم الأول، فإعمال الفكر وخلق الجديد يجعل الكاتب محبوبا لدى قارئه وينتظره على  مفرغة الصبر من أجل أن يقتني له الجديد، ألا يبدو ذلك أمرا ساحرا في النهاية أن نجد ذواتا أخرى من الفكر غير التي اعتدنا عليها، على غير التي كنا ننتظرها، كهدف متسلل لشباك لم نكن ندري بوجودها؟.

أعتقد أن الكاتب من واجبه نحو قارئه أن يفك أسره في معادلات باتت شبيهة بالأولي، وأن يعمل على خلق جو وفضاء آخر من التجديد ليتاح لقارئه أن ينهم منه علما ومعرفة بدل أن يقبع في ذات الطريق، ففي الأخير التكرار لا يجني إلا هروب القارئ من كاتبه لأنه يعلم مسبقا أنه لن يضيف له شيئان وهو المغزى من كتابة أي يعمل أدبي، بطريقة فنية مذهلة جدا.

رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق