ثقافة

التموقع داخل النص ما بعد الحداثي

عمود ثقافي

جاء وصف الكتابة ما بعد الحداثية مرارا في محاوراتي وتعليقا على ما أكتبه من كتب وكعناوين لكثير من الدراسات الجامعية التي تناولت أعمالي؛ وخصوصا ديواني “مساءلات المتناهي في الصغر”‘2007″، ورواياتي “أمين العلواني”-2008- “حالة حب”-2015- وروايتي الأخيرة “النوافذ الداخلية” -2018- …ويردني بريد واسع من الطلبة والقراء المهتمين يطلب توضيحات حول الحدود المفاهيمية لأدب ما بعد الحداثة، ولذا شئت الخوض في هذه النقاط.

الخلاصة هي أن مصطلح ما بعد الحداثة من أكثر المصطلحات غوصا في الضبابية، ومن أعسر المصطلحات على التحديد، وذلك باعتراف أغلب من تعرض له.

واختصارا لمجموعة من الأفكار سنقول إن مصطلح ما بعد الحداثة (كصفة لصيقة بالأشياء) ومصطلح ما بعد الحداثية (كمذهب يعتنق عن وعي) يشير كلاهما إلى سياق تاريخي رخو هلامي، سياق حده نهاية “العصر” الحداثي لكي يتحول “ما بعد الحداثي” إلى صفة لكل ما يأتي إثر ما هو تراتبيا وكرونولوجيا حداثي. فهو في الجوهر عتبة تحقيبية قبل أن يكون وصفا لطريقة في النظر الى الأشياء.

أما من حيث الماهية فما بعد الحداثة جراب وضعت فيه قيم وصفات وأحكام كثيرة حتى يعسر حصرها… سنورد بعض ما يتعلق بالأعمال الأدبية منها، أو بالروايات تحديدا، هي صفات تدور في الأفلاك التالية.

1-الأدب محاكاة دائمة لنماذج سابقة مع إضافة شيء (كالباروديا أو المحاكاة الساخرة واللعب الكلامي، والقولبة والصياغة على نموذج سابق).

2-الأدب ما بعد الحداثي يعمد دائما إلى كسر ما هو جاهز وذلك بمزج الأنواع واللعب على خلق التقاطع بين الأجناس.

3- تمجيد “الكناية” مقابل تمجيد الحداثيين “للاستعارة” من زاوية كون الكناية مفهومة وجماعية وقابلة للتوصيل.

4- كشف ألاعيب الأدب باستعمال الكتابة أمام المرآة، أي كتابة نص يفضح مفاتيح أقفاله، كموقف ضد خرافة “الإبداع المطلق” الرومانسية الحداثية.

5- الغوص في عالم الكتابة بدلا من الواقع والتاريخ والعالم الخارجي المحيط بالكاتب.

6- قابلية التعدد واللانسق والدادية  ومناهضة الأشكال النهائية المتبلورة لفائدة الأشكال المفتوحة، واللعب والفوضى، والتقويض، والتشتيت وتداخل النصوص حد الفوضى، ومعاداة السرد و الاحتفاء بالهامش والمفارقة وروح المرح والسخرية والتهكم والسخرية الباردة…إلخ.

نقر هنا أن ملامح الرواية ما بعد الحداثية غير واضحة تماما وما ذلك إلا التأسي المنهجي بمقولات المنظرين الذي يميلون إلى عد قص ما بعد الحداثة هو القص السائد  مند ستينيات القرن العشرين  في نواح كثيرة من العالم الغربي، وهو تصنيف يحتوي كثيرا من أنماط الكتابة الروائية ويجمع شتات مذاهب كتابية عديدة… إلا أن السمة الأساسية تظل ما ظهر في أمريكا من كتابات الميتاقص أي النصوص الشارحة أو القصص التي تبدو كأنها ليست كذلك، وما ظهر في إنجلترا من لعب على إعادة كتابة الروايات على النمط القديم بلباس أو روح جديدة، وهي روح ساخرة في أغلب الوقت، وما ظهر في فرنسا من العناوين الثلاثية: الرواية الجديدة، الرواية الجديدة الجديدة ثم الرواية المخبرية ((oulipienne نسبة إلى مخبر الكتابة الشهيرOuLiPo وهو مختصر تسمية مشغل الرواية الافتراضية Ouvroir de littérature potentielle… وإلى هذا تضاف أصناف كثيرة مما يسمى نزعات حداثية، ويوصف بالنزعات ما بعد الحداثية على اعتبار عدم وضوح الحدود بين النوعين الحداثي وما بعد الحداثي.

وخلاصة الخلاصة قد تكون ميل القصص إلى أن تتعامل مع القارئ الذكي بشكل ذكي فالقصص تحاور القارئ العارف ولا تستهبله…تستدعي ثقافته القرائية ولا تفترض ميلاد قصة من عدم…

الأدب في الفضاء ما بعد الحداثي كما أتمثله كتابة لمسارات الكتابة، تأمل لذيذ في العقود القديمة للكتابة التي تستمر بأشكال مخاتلة في إطار دوائر الإيمان بجدوى القصص التي هي جدوى الفن الذي هو جدوى الحياة .

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق