العمود

الثرثارة وعديمة الحياء

من القصص الشعبية ذات المغزى العميق تحضرني قصة أختين، الصغيرة ثرثارة والكبيرة عديمة حياء، حيث عرف عن الأخت الصغرى حبها للكلام واجترار التفاهات في أي مقام وفي أي مجلس وفي مناسبة وبغير مناسبة، والتصقت بها هذه الصفة حتى باتت غير مرغوب فيها في المجالس وبات جميع من يعرفها يتهرب منها ولا يتوان عن التعبير عن سخطه مما عرفت به من ثرثرة ومبالغة في سرد المواضيع التافهة ونقل الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة التي تسببت بها في كثير من الأحيان في مشاكل بين الناس، أما الأخت الكبرى فلكون أختها الأصغر منها ثرثارة فقد كانت في نظر الناس الفتاة السكوتة الرزينة لأن كثرة كلام أختها قد غيب دورها وجعلها تبدو أفضل وأحسن منها، غير أنه في مرة من المرات وفي إحدى المجالس نطقت إحدى النساء لتثني على الأخت الكبرى قائلة “قد يصعب على من لا يعرفك أن يصدق بأنك أخت تلك الفتاة الثرثارة”، وكان كلام المرأة نوعا من المديح للأخت الكبرى وإشادة برزانتها وهدوئها، غير أن الأخت الكبرى نطقت وردت على المرأة قائلة “وقد يصعب على من لا يعرفك أن يفرق بينك وبينك أخيك جعفر”، وبهذا القول اتضح أن الأخت الكبرى ليست أقل سوء بقلة حيائها وبتسرعها وسوء نيتها من أختها الصغرى، وتبين لمن لم يكن يعرف الأخت الكبرى حق المعرفة بأنها ليست “رزينة” بل إنها لم تختبر ولم تتح فرصة اختبار “معدنها”، وفي أول موقف انكشفت حقيقة الأحقاد وقلة الحياء وقبح النفس لدى من كان الناس يظنونها رزينة.
قصة الثرثارة وعديمة الحياء باتت مناسبة تماما لأن نسقطها على وسائل إعلام في الجزائر، فبعض الوسائل التي كنا نظنها طوال سنوات بأنها رمز للصدق والمصداقية اتضح لنا منذ بداية الحراك وفي أول موقف يمكن اختبارها فيه أنها لا تقل سوءا عن وسائل إعلام معروفة بثرثرتها وبمواضيعها السخيفة التافهة الحقيرة، فلا صدق ولا مصداقية بل أن كل ما في الأمر هو أن وسائل الإعلام الثرثارة كانت تمارس الوقاحة بطريقة علنية أما من كنا نظن فيها خيرا فقد كانت تمارس الوقاحة والخبث الإعلامي بتكريس سياسية “النار تحت التبن”، وباتت بذلك أشبه براقصة مشهورة في منطقة الأوراس باسم “الشيخة” ذلك لأنها ترقص وعلى وجهها ما يسمى في لهجتنا بـ” العجار”، فشكرا للحراك الذي كشف لنا كثيرا مما كنا نجهل وأسقط الأقنعة على كثير من الوجوه القبيحة التي كنا نظن أنها قامات إعلامية وكانت مرجعية لنا في “حرية القلم” وفي الصدق والمصداقية، وشكرا للحراك الذي كشف لنا بأن كثيرا ممن كنا نظن أنهم “إعلاميون أحرار” لا يخشون في قول الحق لومة لائم كشف لنا بأنهم مجرد “دمى” تتمايل راقصة على أنغام “عملاء فرنسا” من سياسيين ورجال مال وأعمال.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق