روبورتاجات

الجزائريون على صفيح ساخن بعد تراكم المناسبات ..

بين السفر وتشجيع المنتخب الوطني وتحضيرات عيد الأضحى

تعرف العائلات الجزائرية في الآونة الأخيرة، ضغطا رهيبا بعد تراكم عدد معتبر من المناسبات التي تبرز خصيصا في هذا الفصل، انطلاقا من الأفراح والأعراس إلى مناسبات النجاح والتخرج وحفلات الخطوبة والميلاد وغيرها، يضاف إليها مناسبتين خاصتين جدا لهذا العام بالنسبة للجزائريين، وهي مشاركة المنتخب الجزائري ضمن فعاليات كأس أمم إفريقيا بمصر الشقيقة والتي جعلت العديد من عشاق الكرة المستديرة يفكرون في الحج نحو مصر، لمتابعة بقية المباريات بعد الفوز الذي حققه المنتخب لغاية الآن، فضلا عن اقتراب عيد الأضحى الذي يعتبر مناسبة دينية بحتة تفرض على الجزائريين، استعدادا خاصا لها ماديا ومعنويا.

 

راتب يضيع بين تهاني النجاح وهدايا الأعراس والمناسبات

من مظاهر مشاركة الفرح لدى الجزائريين، هي الاحتفال بالمناسبات السعيدة مهما كانت بساطتها وتقاسمها رفقة الجيران والعائلة والأقارب، فنجاحات الدراسة باختلاف أطوارها إحدى ابرز مظاهر السعادة التي تجمعهم والتي يخصص لها أيضا ميزانية خاصة لها من خلال الهدايا وزيارات “المباركة” التي دأبت العائلات الجزائرية على تصنيفها ضمن النشاطات الواجب القيام بها للحفاظ على العلاقات وتبادل الهدايا والتحايا وكذا التهاني، حيث عرف الناجحون في شهادتي التعليم الابتدائي والمتوسط في السنوات الأخيرة، التفاتة جميلة من قبل الأولياء الذين يحتفلون بطرق جميلة للغاية من خلال إحياء حفلات خاصة بالناجح رفقة زملائه إلى جانب إقامة عزائم وولائم للأقارب والجيران الذين يقبلون في صور رائعة تلفت الانتباه لمدى الاهتمام والتشجيع الذي يوليه هؤلاء للناجحين، إضافة إلى العمل على تبادل الزيارات والحفاظ على صلة الرحم والدم والقرابة التي تجمعهم، ورغم ذلك تجد العديد من العائلات ذوات الدخل المحدود، صعوبة في التنقل من خلال ارتفاع المصاريف باقتناء الهدايا وتقديم “المباركة” التي أصبحت عنوانا لأي زيارة أو مناسبة على اختلاف أسبابها، وهو ما دفع بالعديد منهم إلى تقديم تهانيه عبر الهاتف دون الحاجة للتنقل نظرا لما تكلفه هذه الزيارات من أموال، إذا ما قورنت بالجانب المادي الذي طغى بشكل واضح على سير العلاقات وتعاملاتها، في حين ينتظر أن تعرف نتائج البكالوريا هي الأخرى احتفالات صارخة خاصة لأولياء الناجحين الذين أصبحوا يبالغون في مظاهر وأشكال الاحتفال بطرق مختلفة لكنها تكلف الكثير من الأموال، ورغم ذلك تبقى فرصة لتشجيع الناجح ودعمه ومساعدته على المضي قدما وكذا رسم الفرحة على محياه بعدما رسمها على وجوه وقلوب عائلته التي عاشت معه ضغط سنوات من الدراسة والجد والاجتهاد.

 

مشجعو المنتخب الوطني يتوعدون بالحج إلى القاهرة لمتابعة المباراة النهائية

خلال جولة ميدانية لمختلف شوارع وأحياء مدينة باتنة، لاحظنا اهتماما واسعا لكل الشرائح والفئات بمشاركة المنتخب الوطني ضمن فعاليات كأس أمم إفريقيا المقامة حاليا بمصر، حيث عاش الجزائريون لحظات فارقة للغاية في الشوارع والساحات العامة التي نصبت خلالها الشاشات العملاقة بهدف متابعة المباريات، وبدا تجاوب الباتنيين كبيرا جدا بانفعالاتهم وتخوفاتهم وفرحتهم التي ملأت الأجواء روحا وطنية وعززت لديهم الرغبة في السفر إلى مصر الشقيقة لتشجيع المنتخب الوطني في المباراة النهائية الفاصلة عن التتويج بالكأس الافريقية، وهو ما تحسر عليه الكثيرون الذين يفتقرون لإمكانيات مادية تؤهلهم للسفر ودعم الفريق، في حين كشف عدد واسع منهم عن تفكيره الجدي في الذهاب ومتابعة المباراة المتبقية بشكل مباشر في ملعب القاهرة الدولي وتشجيع المنتخب ودعمه رفقة المشجعين الذين تنقلوا في وقت سابق.

ورغم الأسعار المرتفعة والمصاريف التي أرهقت كاهل الجزائريين بصفة عامة، غير أنهم ابدوا استعدادهم للتنقل إلى مصر ودعم المنتخب الوطني، ولعل الجسر الجوي الذي بإمكانه أن ينقل الجماهير الجزائرية إلى هناك، لهو حلم جميع المناصرين منذ بداية الكان رغم أن الإمكانيات المادية لا تسمح بذلك، غير أن الكثيرين منهم تمكنوا من تحقيق الحلم والتنقل ومتابعة المباريات الاخيرة ونقل الأجواء عبر فيديوهات وصور مباشرة من مصر الشقيقة والتي تعكس مدى الروح الوطنية التي تمسك بها هؤلاء المناصرين، ومدى حبهم وعشقهم لكرة القدم التي غيرت اهتماماهم بالسياسة والثقافة والاقتصاد نحو الرياضة والكان وحظوظ المنتخب في التتويج بالكأس الإفريقية، بعيدا عن التفكير في عطل ورحلات الاستجمام والراحة والتنزه التي أصبحت تثير اهتمام العائلات فقط، بعيدا عن أعين الشباب.

 

الوكالات السياحية تنتعش بعروض مغرية لقضاء العطلة

من جهتها، عرفت الوكالات السياحية انتعاشا كبيرا خلال الأيام الجارية، بعد انطلاق العطلة التي تفتح المجال أمام العائلات للتنقل بأبنائهم نحو مختلف المناطق والولايات وحتى البلدان المجاورة لقضاء إجازة الصيف الخاصة، ولعل أبرز الولايات التي تلقى إقبالا منقطع النظير هي الولايات الساحلية، التي تعرف حجا متكررا للأطفال والشباب والعائلات بشكل مستمر من خلال الرحلات السياحية التي تنظمها الوكالات الخاصة، هذه الأخيرة التي أصبحت تلجأ لتقديم عروض مغرية جدا للمواطنين بهدف جذبهم نحو السفر إلى الوجهة التي يريدونها، بأسعار يرونها في متناولهم وحسب إمكانياتهم المحدودة، خاصة الرحلات التي تنظم خارج الوطن لكل من تركيا وتونس والتي تلقى اهتماما كبيرا، وضع العائلات أمام قرارات صعبة خاصة في ظل اقتراب عيد الأضحى المبارك الذي يستهلك هو الآخر ميزانية خاصة من خلال التحضيرات والتجهيزات، وهو ما أثار نوعا من التردد لدى بعض العائلات التي ترى في قضاء إجازة استجمام وراحة نوعا من المخاطرة في هذا الوقت، قد يحيلها على التدين مع اقتراب هذه المناسبة الدينية.

من جهتها، لم تتوانى الوكالات السياحية في رفع مستوى عروضها المغرية إلى الحد الذي جعل التهافت عليها واسعا، مقابل تسهيلات عديدة فرضتها للزبائن الذين يختارون الوجهات الخارجية والتي وصلت في بعضها إلى حدود العشرين ألف دينار للشخص الواحد، ما اعتبره الكثيرون بمثابة العرض الذي لا يمكن تضييعه مهما كانت الأسباب، في حين تلقى العروض التي تقدم خدماتها في الولايات الساحلية تراجعا بسبب الغلاء الذي تشهده هذه المناطق والتي تكلف أضعافا ما تكلفه العروض المقدمة خارج الوطن، وهذا ما اعتبره الكثيرون السبب الرئيسي في تراجع السياحة في الجزائر فضلا عن الجوانب الاجتماعية والأمنية التي تشهدها مختلف الولايات.

 

وتحضيرات عيد الأضحى تسبب عجزا للعائلات

رغم أن المناسبات التي تتوالى مؤخرا من أعراس وأفراح ونجاحات، لم تسمح للعائلات في التحكم بميزانياتهم ورواتبهم التي استهلكتها الهدايا والعطايا، غير أن التفكير في مناسبة مثل عيد الأضحى، قد يلغي العديد من المشاريع والمخططات الأخرى، خاصة لأولئك الذين يؤجلون الحصول على عطلة أو إجازة صيفية لقضائها بإحدى الولايات الساحلية أو السفر خارج الوطن، ذلك أن التحضيرات الخاصة بهذه المناسبة من شأنها أن تلغي جميع التوقعات القادمة للأعراس والأفراح والاستجمام، بعدما أصبحت الفريضة الدينية مقدسة جدا بالنسبة للجزائريين، وهو الذي يحيل عددا من العائلات نحو التدين قبل أن يقعوا في ورطة الدخول المدرسي التي تساهم هي الأخرى في اللجوء إلى سياسة “التقشف” والتي تعتبر الحل الوحيد للفرار من شبح الديون وتراكمها.

ورغم أن الجزائريون بطبعهم لا يوفرون مناسبة سعيدة دون حضورها وتقديم ما يلزم من “مباركة” أو هدايا وكذا مشاركة الأفراح وتقاسمها مثلما حدث مباشرة بعد تأهل الجزائر لنهائي الكان والذي أخرج الجميع للشوارع والطرقات للاحتفال، غير أن تفكيرهم لم يعد منحصرا على توفير الحاجيات المنزلية والمستلزمات الضرورية للعائلة فقط، بل تحول لكيفية قضاء وقت ممتع رفقتها أيضا والبحث عن طرق وسبل لإسعادها ولو كان ذلك على حساب الاستدانة وطلب المساعدة من الأصدقاء والأقارب، ورغم ظروف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية غير أن الجزائريين يفضلون الاحتفال وتشارك السعادة وتهنئة الناجحين وكذا حضور الأعراس والأفراح وحتى السفر بهدف الاستجمام، ويبقى للعيد فرضيته وقدسيته الخاصة لذلك سيكون الاحتفال به هو الآخر مميزا جدا وبطريقة معتادة ستحيى هذه الشعائر التي تكشف عن مدى تمسكنا بديننا الحنيف وتطبيقنا لشرائعه وفرائضه رغم كل الصعوبات والعراقيل.

فوزية قربع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق