العمود

الحراك، العصابة وفرنسا

ساعات بعد أول مسيرة في الجزائر في الثاني والعشرين من فيفري والتي رفع فيها مطلب واحد ووحيد هو التنديد بالاستمرارية وتمرير العهدة الخامسة، سألني صديقي عن الحل وعن تصوري لما يجب أن يفعله الشعب الجزائري من أجل أن يتخلص من رؤوس الفساد ويمنع استمرار حكم العصابة باسم عبد العزيز بوتفليقة ومن أجل غد أفضل ومستقبل أفضل لبلادنا، فأجبته أن الحل في ثورة ثانية ضد فرنسا، ضحك صديقي ظنا منه أنني كنت أمزح أو أنني كنت أحاول التهرب من الخوض في موضوع الحراك، فضحكت أنا أيضا لأنني شعرت بأن صديقي قد استخف بإجابتي ثم قطعنا الحديث، وما حدث هو أنه بعد مرور أسابيع عن أول مسيرة اتضح أن الحرب الحقيقية التي يخوضها الجزائريون في حراكهم وفي مسيراتهم الشعبية الأسبوعية والفئوية اليومية هي حرب ضد فرنسا بالدرجة الأولى وقد اتضح ذلك وثبت في الخطابات المتتالية لوزير الدفاع الوطني الفريق احمد قايد صالح، انطلاقا من ذكره للاجتماع المشبوه بين أفراد من العصابة وشخصيات مشبوهة وأطراف فرنسية، وموضوع أنبوب الغاز المجاني لفرنسا والذي طفا إلى السطح قبل ذلك، وعديد المؤشرات التي أوضحت عمق الأزمة في الجزائر والتي تعدت أزمة “عصابة” إلى أزمة “عدو خارجي” لازال يبث سمومه ليبقي على هيمنته غير المباشرة على المؤسسات الحساسة في البلاد ضمانا لاستمرارية الإبقاء على مصالحه قائمة.
ومضة إشهارية قديمة لمتعامل هاتف نقال كان شعارها “اسمع النور اللي فيك”، أي أن على الزبون أن ينصت إلى ذلك الصوت الذي ينبع من أعماقه، إيمانا بأن صوت الضمير هو صوت خام لا شائبة فيه وهو عادة صوت حقيقي لا تزييف فيه، وهذا ما نحن بحاجة إليه اليوم، أي أنه على المواطن الجزائري أن “ينصت لذلك الصوت الخام والنور الذي ينبع من أعماقه ومن حبه للوطن”، والمؤكد أن كل جزائري ينصت لصوت ضميره دون تحيز ودون الخنوع لمؤثرات خارجية خاصة تلك القادمة من وراء البحار سيتأكد بأن العصابة قد انتهت وسقطت بسقوط العهدة الخامسة، وما نعيشه اليوم ما هو إلا حرب ضد عدو الأمس من خلال الحرب على بقايا “العصابة” وورثة الحركى، لهذا فالحذر واجب، والفطنة واليقظة واجبة، وإن كنا نصر على أن نكسب “الثورة الثانية” فعلينا أن نكون بنفس الوعي في الثورة الأولى ونكون بنفس الهمة والرزانة والحكمة التي تحلى بها أجدادنا في الثورة الأولى غير أننا ملزمون أكثر منهم بتحكيم صوت العقل لأن الخبث قد تطور، وأساليب العمالة والخيانة قد تطورت، فإن كان العملاء والخونة بالأمس أشخاص وضعت على رؤوسهم أكياس “خيشة” فعملاء وخونة اليوم موضوعة على رأسهم “ريشة” يظن الكثير من الجزائريين أنهم “أبطال قوميين” لمجرد أنهم كالشعراء في كل وادي يهيمون ويقولون ما لا يفعلون، أو بالأحرى يظهرون عكس ما يبطنون، وليست العصابة تخيف بقدر ما يخيف من يظهرون على صفحات “الفتنة” وقناة المخاربية وهم يحاولون تمرير مشروع مؤسس على أحقاد دفينة وخفية وخدمة أجندة أجنبية وإن كنا نرغب في الضرب بقوة فعلينا أن ننقل جزءا من الحراك إلى الضفة الأخرى ونمارس الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع، فعدو الأمس أكثر هشاشة اليوم من الأمس وبأسنا أشد اليوم بالوعي والإمكانيات من الأمس ولعل عش الدبابير أفضل وأنسب طريقة لفعل ذلك.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق