العمود

الحراك المهم والحراك الأهم

وجب الكلام

اليوم يحتفل الجزائريون بالذكرى الثانية للحراك الشعبي الذي كان بمثابة ضربة قاضية لأطماع العصابة التي كانت تنوي الاستمرار في التغول والتوغل والتغلغل لللسيطرة على كل مفاصل الدولة، وكان بمثابة ضربة قاضية أنهت سلسلة من العهدات المتلاحقة للرئيس المخلوع والتي أوشكت على تحويل النظام السياسي في بلادنا من جمهوري إلى نظام ملكي، وبالتالي فالحراك قد كان تمهيدا حقيقيا لعهد جديد ولجزائر جديدة، وخطوة جريئة نزع بها الشعب الجزائري ثوب الخنوع والخضوع وثوب الخوف والتردد، فيجدر بالذكر أن الشعب قد كان في زمن العصابة أشبه بمن يمسك بيده جمرة متحملا كل الألم خوفا من أن يلقيها فيتسبب في إشعال “نار الفتنة” التي ما انفك تخلص منها، لكن الذي حدث هو أن الشعب قد اهتدى للسلمية فتخلص بها من الجمرة بما لم يتسبب بأذى لبلادنا فكانت النتيجة أن تحررنا من “عصابة” ما كنا نظن بأننا سنتحرر منها يوما لما كان لها من نفوذ وجبروت واستعداد لحرق “البلاد والعباد” من أجل مصالحها لولا أن تدخل الوطنيون والشرفاء في هذا الوطن وكانوا خير من حمى البلاد والعباد وخير من وقف في وجه “الطغاة”.

اليوم، وفي الذكرى الثانية للحراك، لا ننكر بأننا حققنا جزءا كبيرا مما كنا نرغب في تحقيقه، فأهم ما كنا نصبو إليه هو أن نتخلص من “العصابة”، لكن الذي حدث هو أننا اكتشفنا بأن العصابة قد عملت طوال ما يقارب الربع قرن على إطلاق جذورها في كل الإدارات وفي كل المؤسسات العمومية، واتضح لنا بأن الحراك الشعبي الأول كان مهما لنزع ثوب الخوف عن المواطن ونقل الرعب إلى نفوس “الفاسدين” لكن الحراك الأهم لا يحتاج للشارع ولا للشعارات بقدر ما يحتاج لثقافة من نوع آخر، فالحراك الأهم بحاجة لغرس ثقافة “تكاتف الموظفين” في مؤسسة ما لاجتثاث الفساد، وبحاجة لغرس ثقافة تعاون الموظفين في القضاء على “الفتنة في المؤسسات” وطرد المدراء والمسؤولين الذين تثبت في حقهم شبهة ما في غير الصالح العام، وبحاجة لغرس ثقافة تعاون المواطنين للقضاء على آفة من الآفات، وبحاجة لغرس ثقافة المواطنة بكل ما تحمله المواطنة من معنى، فيبدو لنا أن الحراك الشعبي الذي ينطلق من الشارع لا أهمية له ما لم يحرص المواطن على الحفاظ على مكاسبه من خلال محاسبة الفاسدين في كل مكان حتى في أصغر مؤسسة أو إدارة عمومية، ويبدو لنا أنه لا أهمية لحراك ينطلق من الشارع بمسيرات حتى وإن كانت مليونية وحتى لو استمر دهرا إن كان المواطن الذي خرج من أجل وضع حد للعصابة “الكبيرة” عاجزا عن التبليغ والقضاء على “مجموعة أشرار في الحي” أو “عصبة في مؤسسة أو إدارة ما”، فما أهمية أن ننهي “عصابة” على مستوى عالي فنعود للعمل تحت إمرة “مسؤول بيروقراطي فاسد” ولا ننتفض في وجهه؟ وباختصار لكل ما سبق، فالحراك الأهم هو أن نتحلى بمسؤولية فردية وتكون لنا جرأة لنواجه الفساد كأفراد، أما أن نعتمد فقط على نظام “المسيرات الجماعية” فهذا ليس بحل بقدر ما هو “مضيعة للوقت إن تم بطريقة سلمية وخراب للأوطان إن تخلله بعض من العنف”.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق