إسلاميات

الحرص على هداية الناس من أخلاق المسلم الصادق

قال الله تعالى: }قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ {سورة البقرة الآية 120

هناك دوافع تحث المسلم على القيام بالدعوة والحرص على هداية الناس ودخولهم في دين الإسلام منها
ما ادخره الله من عظيم الأجر وجزيل الثواب لمن سعى إلى هداية الناس للإسلام، فالداعية يحب الخير لنفسه، وإذا علم ذلك تمنى هداية الناس كلهم على يديه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)) ، ورغب في تضاعف أجره عند الدلالة على الخير واتباع الناس للهدى، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( من دل على خير فله مثل أجر فاعله)).
و حب الخير لناس، فالداعية المؤمن يشفق على غيره من الوقوع في الحرام وحمل الآثام، ويحب التزام الناس بشرع الله وبفضائل الدين، فلا يزال آمرا لهم بالمعروف، ناهيا لهم عن المنكر، دالا لهم على أوجه الخير كلها، يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير الدنيوي والأخروي، ويبغض لهم ما يبغض لنفسه من الشر، وهذا علامة كمال الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
وإقتداؤه بالرسول صلى الله عليه وسلم، إمام الدعاة وأحرصهم على هداية الناس للخير وتعليمهم إياه، وقد وصفه الله تعالى بقوله (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))، وقوله تعالى (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ))، كما يوجهه وقد غمره شعور بالأسى والحزن لانصراف الناس عنه، وبعدهم عن دعوته، حتى كاد يهلك نفسه غما عليهم، فيقول له تعالى (( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )).
ويضرب عليه الصلاة والسلام مثلاً لحاله مع قومه، وحرصه على هدايتهم، وإبعادهم عن كل ما يضرهم فيقول: ((مَثلي ومَثلكم، كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجَنادب والفَراش يقعن فيها، وهو يذبُّهن عنها، وأنا آخذ بحُجُزكم عن النار، وأنتم تَفلَّتُون من يدِي)).
فرغم الأذى والصد والعدوان الذي لقيه صلى الله عليه وسلم من قومه، فإن هدفه الأسمى والأول هو هدايتهم، وانتصار دعوته لا انتصار نفسه أو الثأر لذاته، فيصفح عنهم بعد الفتح والتمكن صفحا جميلا، لأن دعوة الإسلام دعوة لصلاح الناس وهدايتهم.
وقد سنحت الفرصة سابقا للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينكل بقومه وقت اشتداد أذاهم عليه، وذلك حين بعث الله تعالى له ملك الجبال مع جبريل عليهما السلام، ليأمره بما شاء من إيقاع العذاب عليهم- كما روى الإمام البخاري رحمه الله- فقال له: ( إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا)) ، وذلك لشدة حرصه وشفقته على أمته، فإن كفر هؤلاء، فقد يأتي من بنيهم من يقول لا إله إلا الله، وذلك ما حدث، فقد أسلم يوم الفتح بعض أبناء أساطين الكفر كعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية بن خلف وعتبة بن أبي لهب وغيرهم.
ومن شواهد حرصه على دخولهم في الإسلام في غزوة الفتح ما يلي:
• حقنه لدماء أهل مكة أولا، ثم العفو عنهم وإطلاقهم، والعفو عمن كان قد أهدر دمه واستؤمن له، وذلك تأليفا لهم وحفظا لأرواحهم، لعلهم يقبلون على الإسلام وتهتدي له قلوبهم.
• إشعارهم بهذا الحرص عليهم، وبمكانتهم عنده إن هم أسلموا، ومن ذلك قوله: (( اليوم أعز الله قريشًا))، فدعوة الإسلام ما تقصد إلا تكريمهم وتوقيرهم وإعزازهم واحترامهم.
• إخباره المسلمين عن رغبة بعض أهل مكة في الإسلام كي لا يعرض لهم بأذى أو قتال، كقوله حين اقترب من مكة: (( إن بمكة أربعة نفر من قريش، أربأهم عن الشرك، وأرغب بهم في الإسلام: عتاب ابن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو))، فأسلموا وحسن إسلامهم.
• معاودة الدعوة وتكرارها، لمن كان يعارضها مرة بعد مرة، وعدم اليأس من إسلامه، بل وضع الأمل في غفران الله تعالى له معارضته لدعوة الحق فيما مضى، وتجنب الوقوف موقف الخصومة الأبدية ممن رفضها وصدها، وإنما المسارعة إلى قبوله في صفوف المسلمين، وإظهار الفرح والاستبشار بذلك.
وكذلك كان صحابته رضوان الله عليهم، أحرص الناس على هداية غيرهم، فالعباس رضي الله عنه يحرص قبل الفتح على حقن دماء قريش، ويحب لهم أن يدخلوا في الدين، وما أن فتحت مكة حتى أقبل بعضهم بأحد أقربائه ليسلم حرصا على إنقاذه من النار، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه مع والده أبي قحافة فأسلم، ومجاشع رضي الله عنه مع أخيه أبي معبد فبايع على الإسلام والإيمان والجهاد.
إن تحلي الداعية بهذه الصفة، لا ينبغي أن يجعله متلهفا على رؤية نتائج دعوته، وثمرة جهده، فيصيبه الألم والحسرة، حين يرى الصد والإعراض، بل أنه رغم شدة حرصه وإيمانه أنه على طريق الحق، لا بد وأن يتذكر قوله تعالى ((إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ))، فعليه أن يقدم الدعوة إلى الناس كأمثل ما يكون، ويغرس بذرة الخير، والله تعالى هو صاحب المشيئة والإرادة في هداية الناس، لا محبة الإنسان المخلوق ورغبته، وقد قال تعالى (( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )).

د. هند شريفي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق