العمود

الحفاظ على الهوية

وجب الكلام

الكثير من الشعوب أصبحت تردد سيمفونية النضال في سبيل إحياء الهوية وفي سبيل الحفاظ على مقوماتها بما فيها اللغة والعادات والتقاليد وتلقين تاريخها للعالم والشعوب الأخرى، وهناك أيضا من الشعوب التي تناضل سعيا إلى إعادة إنعاش هويتها والتي تحاول أن تحفز الآخرين على تعلم لغتها والإطلاع على عاداتها وتقاليدها لكنني أرى في الأمر تناقضا بين جوهر المسعى وما هو مجسد على أرض الواقع.
أرى أن من “يهن يسهل الهوان عليه”، ولابد أن هذه المقولة مجسدة فعلا وتعبر عن حال كثير من الشعوب التي هانت فسهل الهوان عليها ووقعت بذلك فيما قلنا عنه أنه تناقض بين مسعاها وما هو عليه واقعها، فلا أظن أن أمة ما أو حتى بلدا ما يمكنه أن يحافظ على هويته ومقوماته وهو من انسلخ عنها واتبع مقومات هوية أخرى، وعلى سبيل المثال فقد أصبحنا في البلدان العربية مضطرين لتعلم لغة أجنبية كشرط أساسي للظفر بوظيفة في فندق أو منتجع أو حتى كمرشدين سياحيين من أجل أن نتمكن من التعامل والتفاعل والتواصل مع سياح أجانب، وفي المقابل نضطر أيضا لأن نتعلم اللغة الأجنبية إذا كنا نرغب في السفر والسياحة في بلد أجنبي، والمعنى أننا مضطرون لتعلم اللغة الأجنبية كضيوف وكمستضيفين فيما لا يضطر الأجانب إلى تعلم لغتنا لأنهم لا يحتاجونها طالما أننا نسهل عليهم مهمة التواصل في كل الحالات زوارا كانوا أم أهل دار.
من جهة أخرى، كيف سنحافظ على لغتنا التي هي إحدى مقومات هويتنا إذا كنا مجبرين على تعليم اللافتات ومختلف اللوحات الإرشادية بأحرف أجنبية فيما نضطر نحن لتعلم اللغات الأجنبية كي نتمكن من فهم ما هو مكتوب في اللوحات واللافتات في بلدان أخرى أجنبية، وكيف نحرر وثائق رسمية كفواتير وكملصقات إرشادية بلغة غير لغتنا التي يفهمها المواطن، حتى أن الأطباء يتعاملون مع المواطن البسيط الزوالي بلغة غير لغته مما يتسبب في كثير من الأحيان في أخطاء طبية نتيجة سوء فهم، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أننا نسهل للآخرين مهمة قمع لغتنا وعدم التفكير في تعلمها بتهافتنا إلى تعلم لغتهم كي نتمكن من استقبالهم بما يتناسب مع “هويتهم” ولكي نخدم مساعيهم لاحتلالنا فكريا ولغويا وهوياتيا، وعندما أتكلم من هذا المنظور فإنني لا أدافع عن اللغة العربية والهوية العربية وحسب، بقدر ما أحاول إيصال فكرة أنه من الواجب على الشعوب والأمم ألا تنسلخ عن هويتها من أجل إرضاء أصحاب هوية أخرى، وأبسط مثال على ذلك هو ما يحدث محليا أيضا حتى في منطقة الأوراس، أين ألغيت كثير من أسامي المناطق الشاوية وترجمت إلى اللغة العربية علما أن أسامي المناطق أسماء علم لا تترجم حتى وإن كتبت بغير لغتها، ونذكر على سبيل المثال منطقة “ثاكعبث مار” والتي ترجمت إلى اللغة العربية “كرومة الصيد”، فمن يقصد منطقة “ثاكعبث مار” لا يمكنه أن يصل إليها لأن اللافتة تشير إلى منطقة باسم جديد مخالف لما هو عيه معنى المنطقة الحقيقي، وهذا في نظري انسلاخ عن الهوية عن طريق التفريط في الاسم الحقيقي للمنطقة.
ليست اللغة وحدها من تشير إلى الانسلاخ عن الهوية الحقيقية بل حتى العادات والتقاليد الملغية بمجرد استيرادا عادات وتقاليد أجنبية وأساليب حياة جديدة بدءا من الإيديولوجيات والأفكار انتهاء بالأزياء وتسريحات الشعر، لهذا فإن ما أشجع عليه هو أن نتعلم لغة قوم كثقافة وكنوع من الرغبة في الإطلاع والتعرف على ثقافات أخرى لكن ليس كوسيلة لإلغاء هويتنا كليا فنضطر يوما ما لأن نقول “أعيدوا لنا هويتنا”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق