العمود

الدراسات الثقافية وتربية اليقظة

التفكير بصوت عال

منذ سنوات انهمر على عالمنا سيل من النقاشات وأصناف من الجدل الذي لا حد له حول موضوعات لم نعد نملك الوقت والمسافة والموقع والقوة الكافين جميعهم لمعرفة من أين تأتي ومن يحركها؟ ولماذا نحن مجبرون على الخوض فيها؟

الحجاب،البرقع،العروبة والهويات المحلية، الإسلام السياسي، القاعدة، داعش، الجهاد، الإرهاب، الاسلام والجمهورية، العلمانية والكفر، الفتاوى السعودية القروسطية، الحياتان الجنسية والروحية لطارق رمضان…

والحقيقة هي أننا لم نتعلم بالقدر الكافي فنا تقاس به الحضارات هو فن طرح الأسئلة الذي يؤدي إلى فن صقل المفاهيم والتعريفات؛ نحن ورثة العالم الذي لا يجيد سوى البحث عن الأجوبة الماضوية لأسئلة حاضرة من أجل هندسة قلق مستقبلي بسبب فوضى العقول والأزمنة.

الحقيقة هي أننا نعيش في عالم ما بعد كولونيالي مبني على برامج واضحة للتحكم في عالم مستعمرات الأمس من خلال برمجة ردود فعلهم إزاء قضايا مسمومة بعينها، قضايا تسهر جهات مستعمرة (أمس واليوم وفي كل زمن) على تغذيتها، قد تشرح منطقها جيدا حكاية القنصل البريطاني الذي يروي حكايته “غراهام غرين”، وكيف أنه استوقف سائقه على حواف نهر الغانج المقدس وترجل من السيارة واغتسل بخشوع كبير أمام إعجاب الأهالي من الهنود الشاهدين للحدث قبل العودة إلى السيارة ومواصلة المسير، فلما سأله سائله: هل فعلا تصدق بهذه الترهات يا سيدي؟ أجابه: لا، ولكن ما دام الناس هنا يصدقون بأنني أصدقها فنحن بخير.

هنالك برمجة كبيرة نخضع لها يتمحور حولها كثير من الجهد النظري للدراسات الثقافية التي اشتغل عليها شخصيا، والتي أرى بأنها تربي فينا يقظة ضرورية لمواجهة هذه الأوضاع الموصوفة هنا. فنحن نتعلم في حقل الدراسات الثقافية كيفية بديعة لا قبل للمجتمع العلمي بها في إنشاء المفاهيم،  المفاهيم والتعريفات لا كماهية تقوم اللغة بتمثيلها بل كوجود لا يخرج عن دائرة الاستعمال اللغوي الذي يوجدها، وهو مفهوم الإنجازية الذي جاء مرتبطا بفكرة اللعبة الكلامية لدى لودفيغ فيتجنشتاين؛ أحد الأعلام الأثيرين لدى أهل هذا البيت.  و ربما نكون حركية اللغة وانزلاقات المفاهيم هي التي تؤدي بنا إلى الوقوف دائما على حواف عسر تحديد الدراسات الثقافية بدقة،  إلى الحد الذي الوصول إلى الركون إلى تعريف تلفيقي من قبيل: الدراسات الثقافية هي ما نعتقد أنها هي الدراسات الثقافية،  الشيء الذي لم يمنع تحديدا آخر دقيقا على بساطة في الأداء: الدراسات الثقافية هي طريقة معينة عند معتنقي هذا الاتجاه في الحدث عن مواضيع معينة؛ كثرت أو قلت، عوضا عن أن يكون الحقل – وهذا هو المألوف- لائحة مواضيع معينة ثابتة دالة على حقل يلملم شملها.

إن الصفة الغالبة في زمننا هذا الذي لا مهرب من وصفه بالزمن ما بعد الحداثي هي صفة الجوار العالمي المفرط للحساسيات والآراء، و صفة ناتجة عن هذه تكمن في التأثيرات المتبادلة بين أفراد المجتمع العالمي، ويمكننا أن نقف مع كثير من المعلقين يقفون عند الحد الثري الفاصل/الجامع بين الدراسات الثقافية كأفق معرفي وكمبتغى منهجي أو كأداة عارفة لفهم العالم وبين ما بعد الحداثة كمفهوم تحقيبي يرتكز على مواقف وآراء ووجهات نظر نشأت في أعقاب فترة جرت العادة – مرة دون تمحيص ومرة بتمحيص يفيض عن الحاجة- على تسميتها الحداثة، ويفيدنا في هذا السياق استحضار معاينة أستاذ الفلسفة الايطالي جياني فاتيمو  G.  Vattimo  للسياق الجامع بين الدراسات الثقافية والفترة/ الثقافة مابعد الحداثية فيجدهما مرتكزتين على تحولين رئيسين لعبا دورا في ظهورهما وفي تشكيلتهما العقلية: أقصد من جهة نهاية السيطرة الأوروبية على العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية،  وكذا تطور وسائل الإعلام وظهور الميديا الوطنية والإقليمية التي غالبا ما قامت بالدعاية المنطقية والمنتظرة للثقافات المحليه والهامشية البعيدة عن المراكز الحضارية المألوفة. . . وإن كان الممحص جيدا يقف على الطابع التلفيقي للأفق المعرفي للدراسات الثقافية،  فهي أفق يبحث عن أجوبة صائبة لأسئلة زمن معطى،  بأناس ذوي ملمح محدد،  في ظروف سياسية وتاريخية واجتماعية محددة، وهي أسئلة قد يجدون لها إجابات في مقولات الحداثة مثلما يجدونها في مابعد الحداثة،  لهذا فالمفهوم التحقيبي المذكور لا يتجاوز الحيلة المنهجية؛ لأن الهاجس المحرك لهذا الأفق المعرفي ليس الحِقَب والتعيين أو تحري نقاوة الأعراق العلمية؛ بل ربما يكون العكس هو الصحيح،  في ظل هاجس مركزي هو تحسين الظرف المعيشي بواسطة زعزعة كيانات الخطابات المهيمنة بخلق أنظمة استحسان واستهجان بديلة للأنظمة السابقة التي يتم نقدها باستعمال علبة الأدوات التي هي الدراسات الثقافية.

هذه الأنظمة إذا لم نستعملها في تحديد أولوياتنا وتعريفاتنا، وإذا لم تكن سندنا في إثبات وجهات نظرنا في أشياء المجتمع العالمي وفي طرح الأسئلة التي تشغلنا لا الأسئلة التي نتلقفها من غيرنا، فإن غيرنا سيستعملها بالتأكيد لبث قضاياه الوهمية التي هي فيروسات تعل جهاز العقل مريضا، وتنتهي بخلق جيل جديد من العقول الشرقية والعربية والمسلمة والعالمثالثية، تماما كما يحدث في عالم البرمجيات.

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق