العمود

الدولة ليست رحلة تخييم

وجب الكلام

كنا قد تحدثنا في بداية الحراك الشعبي وقلنا أن الخوف كل الخوف من أن تتشعب المطالب وتتفرع من المطلب الأول والمبدئي وهو “عدول الرئيس بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة” فتتولد مع الوقت مطالب أخرى كالفطريات، وبالفعل فنحن نلاحظ ونشاهد كيف أن كل شخص أو كل فئة أخذت ترفع مطالب خاصة حتى أن البعض أصبح يطالب بالإفراج عن المعتقلين وآخرون يطالبون برفع الحظر عن “رؤوس الفتنة” في العشرية السوداء والسماح لهم بالدخول إلى الجزائر بل ومنحهم فرصة أن يكونوا ضمن “صناع القرار” في الجمهورية الثانية التي يروج لها، أما المطلب الأهم فهو “إسقاط النظام” الذي لم أفهم شخصيا ولحد كتابة هذه الأسطر كيف سيتم؟ وما هي الآليات التي يراها المطبلون مناسبة لتجسيد مطلبهم على أرض الواقع و”إسقاط النظام”؟
إذا كان النظام في نظر المطالبين بسقوطه مجرد “ديكور” فليأذنوا لي أن أخبرهم بأن الديكور “الراقي” تتم هندسته ودراسة أبعاده وألوانه وتفاصيل كثيرة فيه قبل اعتماده وتجسيده فكيف للمطالبين بإسقاط النظام وتثبيت نظام آخر أن يفكروا بهذه الطريقة السطحية التي جعلتهم يغفلون عن أن الديكور الراقي والعصري يتطلب أياما لتجسيده بالصورة التي يطمح إليها جميع “أهل البيت” أو جميع “موظفي مؤسسة ما”؟ وإذا كان النظام في نظر المطبلين “نظام تشغيل” للحاسوب يتم “مسحه بكبسة زر” وتثبيت نظام آخر غيره فليعلموا أيضا أنه من أجل تثبيت نظام تشغيل جديد فلا بد من مراعاة خصائص الحاسوب وما إذا كان سيستوعب “النظام الجديد”؟ فكيف للمطالبين بإسقاط النظام وإيجاد نظام جديد أن يفكروا بهذه السطحية التي جعلتهم يغفلون عن أن لكل دولة “نظامها الذي يناسبها” بناء على امتدادها التاريخي والأحداث والاتفاقيات والمعاهدات والسياسات المرافقة لهذا الامتداد منذ القدم؟
ما جعل الكثير من المطبلين يرفعون شعارات ومطالب “غبية” كالرغبة في إسقاط النظام هو جهلهم التام لمفهوم الدولة، فأغلب الظن أن هؤلاء يظنون أن الدولة هي “رحلة تخييم” يسهل إلغاء كل “تفاصيلها” بمجرد طي “الخيمة، وجمع العتاد والأدوات” والركوب في الحافلة إلى مكان آخر جديد، بل حتى إذا كانت الدولة رحلة تخييم فمن الصعب أن تهدم وتلغى كل تفاصيلها لأن هناك ذكريات وصداقات تبنى ومعارف تكتسب لا يمكن محوها “في دقيقة”، فكيف يظن المطالبون بإسقاط النظام أن الأمر سهل لهذه الدرجة التي يمكن فيها “هدم أسس وأعمدة وتفاصيل دولة” بمجرد “التلغبيب”.
التغيير الحقيقي للنظام يكون في مفهومه الحقيقي أشبه “بنهضة تتم على مراحل” والنهضة الناجحة هي التي تتأتى بالحكمة والحوار والتفاوض، وبالتدريج، وبالتنازل والتضحيات من طرف كل الأطراف، والنهضة الناجحة لا تتم برحيل الحكومة القديمة والإتيان بحكومة جديدة “من الشارع”، بل بتغير الذهنيات والأفكار، والحقيقة المؤسفة اليوم هي أنه حتى لو “رحل النظام” بتفاصيله الكبيرة والصغيرة وحتى وإن مسح التاريخ وألغيت المعاهدات والاتفاقيات واعتبار أن “الجزائر كــوخ في الغابة” لا علاقة له مع الآخــرين وهــــذا أمر مستحيل طبعــا فلن نستطيع إنجاح نهضة “بين يوم وليلة” لأننا ببساطــة لازلنا ننســــــاق وراء “المجهـول” ولازلنـــــا نصــــدق أي شيء كرســــالة “مرحبا أنا مارك”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق