إسلاميات

الرحمة الإلهية لرعاية اليتيم وضمان حقوقه

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ سورة النساء الآية 10

شرع الله لليتيم ما يحقق رعايته كفرد فقد كفيله، فأوصى له بمن يبادله العطف والحنان، والتربية الصالحة؛ ليكون فردا صالحا، لا تؤثر على نفسيته حياة اليتم، ولا تترك الوحدة في سلوكه انحرافا يسقطه عن المستوى الذي يتحلّى به بقية الأفراد، ممن يتنعم بحنان الأبوة وعطفها.

ولما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – قد نشأ يتيما، بين الله – تعالى – له بأنه قد أنعم عليه، وكفله، وأغناه؛ فقال – تعالى -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 – 8]، وهذه الآيات الكريمة يُستنبط منها ما يحتاجه اليتيم في الحياة الاجتماعية، فهي بمجموعها تشكل بيان المراحل التي لا بد للأولياء والمجتمع من اجتيازها؛ للوصول بهذا اليتيم إلى الهدف المنشود.

وقد جاءت آيات القرآن الكريم لتراعي اليتيم من الناحية النفسية والاجتماعية؛ لينشأ نشأة سويَّة، فأمرتْ بإكرامه والرفق به، ونهتْ عن قهره وزجره وإهانته؛ قال – تعالى -: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ [الضحى: 9]، وهذه الآية الكريمة خطاب للأمة في شخص النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو القائد؛ لتقتدي به؛ إذ الخطاب للقائد خطاب للرعية، وحاشاه أن يقهر يتيمًا، أو يعبس في وجهه، وهو الذي قال فيه ربُّه – عز وجل -: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

وقد ذم الله – تعالى – أولئك الذين يهينون اليتيم ولا يكرمونه؛ بل يزجرونه ويدفعونه عن حقِّه، وجعل ذلك من صفات غير المؤمنين المكذِّبين بيوم الدين؛ حتى لا يتشبَّه بهم المؤمنون؛ قال – تعالى -: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ [الماعون: 1 – 3]، وقال – تعالى -: ﴿ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ [الفجر: 17].

ويُفهم من هذا أنه لا بد من إكرام اليتيم، وهذا الإكرام يشمل كلَّ صور حفظ اليتيم من ناحية حقوقه الاجتماعية، سواء فيها الإيواء، والإنفاق، والتربية.

 

اهتمام القرآن باليتيم من الناحية المالية

 

قد عُنيت الآيات في القرآن الكريم عناية عظيمة بالحقوق المالية لليتامى؛ حتى لا يكونوا عرضة للضياع ولسلب أموالهم، وشرعت لهم موارد كثيرة يأخذون منها المال، منها ما في قول الله – تعالى -: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ﴾ [البقرة: 177]، وقوله – تعالى -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215]، وفرَضَ لهم الله – تعالى – في قرآنه نصيبًا من الخُمُس، مما يحصل عليه المسلمون من الغنائم التي غنموها من قتال الكفار؛ قال – تعالى -: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنفال: 41].

وفرَضَ لهم نصيبا من الفَيْء – وهو كل مالٍ أُخِذ من الكفار من غير قتال – قال تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، وجعل لهم أيضا نصيبا غير محدد – جبرا لخاطرهم – إذا حضروا قسمة الميراث، ولم يكن لهم نصيب من هذا الميراث؛ قال – تعالى -: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 8]، سواء كان هذا النصيب على سبيل الوصية لهم من الميت فيما لا يزيد على ثلث التركة، أو كان من الورثة؛ إحسانًا منهم لهؤلاء اليتامى وغيرهم ممن ذُكِر في الآية.

وهذا كله بالإضافة إلى ما يستحقه اليتامى من الزكوات إن كانوا فقراء أو مساكين؛ إذ يدخلون في قول الله – تعالى -: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].

هذا ومشكلة اليتامى الأثرياء ليست بأقل من مشكلة اليتامى الفقراء؛ إذ مِن الأيتام مَن لهم من الأموال ما ليس للكبار، مما قد يعرض هذه الأموال لجشع الكبار؛ لذا شرع لهم الله – تعالى – في قرآنه ما يحمي هذه الأموال، ويحافظ عليها من جشع الجشعين، وتسلط الأقوياء، كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحيوية والتربوية.

وقد بدا ذلك واضحا من الآيات العديدة التي راعتْ هذه الجهة، فأكدت على احترام مال اليتيم، وعدم التصرف فيه إلا بما فيه مصلحة تعود إليه؛ لذلك نرى هذه الآيات – التي خصصت لمعالجة مشكلة اليتامى الأثرياء – تتمشى مع اليتيم في ثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأولى: المحافظة على أموال اليتامى:

وبهذا الصدد يقول – تعالى -: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 2].

فقد تعرضت الآية الكريمة إلى ترك عملية تبديل أموال اليتامى، حيث كان ذلك سائدًا عندهم، فقد ذكر المفسرون أن بعض الأوصياء كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم، ويبدلونه بالرديء؛ لذلك جاءت الآية الكريمة لتنهى عن هذه التجاوزات غير المشروعة بتبديل أموال هؤلاء الضعفاء، ونهتْ كذلك عما هو أعظم من التبديل، ألا وهو التجاوز في أصل مال اليتيم، فيضمه إلى ماله ويتصرف في الجميع، ويترك هذا المسكين يقاسي متاعب هذه الحياة الكالحة، وقد جمع بهذا التجاوز على اليتيم مشكلة الفقر، إضافة إلى مشكلة يتمه.

لذلك وقف القرآن مهددا ومحذرا هؤلاء الأولياءَ المتجاوزين مغبة هذا التعدي الوقح، ومبينا عظم هذا الذنب الكبير؛ فقال – سبحانه -: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾، ثم يصوِّر مشهدًا مرعبًا، مشهد النار وهى تتأجج في بطون هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ فيقول – تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10].

مختار محمد (بتصرف)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق