إسلاميات

الرشوة أكل لأموال الناس بالباطل وتعطيل لمصالحهم

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ سورة البقرة الآية 188

إن الرِّشوة داء من أخطر الأدواء فتكا بالمجتمعات؛ ذلك لأنها لا تشيع في مجتمع إلا تداعت أركانه، وهبط مستواه الخلقي إلى الحضيض، وسيطرت فيه المادة الجشعة على الحكام والمحكومين، فيصبح صاحب الحق في قلق؛ لأنه لا يمكنه الحصول على حقه إلا إذا قدم جُعلًا للحصول عليه، ولا ترى صاحب ظلامة يطمع في رفع ظلامته عنه إلا أن يرشو مَن له قدرة على رفعها.

 

أسباب الرشوة

يمكن أن نجمل أسباب الرِّشوة ودوافعها فيما يلي:

أولا: ضعف الشعور الديني لدى الراشي والمرتشي

إن الذي يُقبِل على هذه الجريمة لو فكر لحظة واحدة أنه مسلم قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد نبيا، لما أخذ الرشوة، ألم يتدبر قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].

ألم يسمع ولو مرة واحدة ما رواه أبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي” حديث صحيح

روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ ماله وعِرضه ودمه، حسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم “. حديث صحيح

 

ثانيا: انخفاض مستوى المعيشة

إذا رأى الشخص المنحرف نفسه في وظيفة ذات دخلٍ صغير وأمامه أناس لهم دخلٌ كبير، أو رأى أصحاب المشاريع المختلفة كل يوم، ثم قارن حياتهم المترفة بحياته – سوَّلت له نفسه أن يرتكب جريمة الرِّشوة؛ ليعوض هذا النقص المادي الذي عنده، مع أنه شيء طبيعي أن يكون الناس بين فقير أو غني أو متوسط، ولكن هذا الشخص المنحرف أقنع نفسه بأن الرِّشوة خير وسيلة للثراء السريع، فيشتري سيارة فاخرة، أو يبني منزلًا، أو يتزوج من بنات الأثرياء، ولكن هذا المسكين ينسى أن الكسب الحرام مهما طال عمره فهو ممحوق البركة، وإلى زوال، وهو من أهم أسباب غضب الله عليه في الدنيا والآخرة.

 

ثالثا: الجشع والأنانية وضعف الشعور الاجتماعي

إن المرتشي أناني، ومحب لنفسه فقط، وليس لديه أي انتماء إلى مجتمعه الذي يعيش فيه؛ ولذا يقبل الرِّشوة دون أن يفكر في مصير إخوانه الذين يعيشون ويتعاملون معه صباح مساء، ويعلم أن هذه الأموال التي أخذها بغير حق كانت سببًا في ضياع أموال الدولة، وهضم حقوق كثير من الناس.

لقد تناسى هذا المنحرف ما رواه الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  “المسلم أخو المسلم، لا يظلِمه ولا يُسلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة “.

 

الآثار المدمرة للرشوة

إن للرشوة آثارا خطيرة على الفرد والمجتمع، ويمكن أن نجمل هذه الآثار فيما يلي:

1- الرشوة تدمر الموارد المالية للدولة

2- الرِّشوة تدمر حياة أفراد المجتمع

3- الرِّشوة تدمر أخلاق أفراد المجتمع

4- الرِّشوة تؤدي إلى ضياع حقوق الدولة

5- الرِّشوة تؤدي إلى تعيين موظفين غير صالحين

 

حُكم الرِّشوة في الكتاب والسنة الشريفة

الرِّشوة حرام، سواء كانت للحاكم أو للقاضي أو للعامل أو أي شخص يمارس عملًا يجب عليه أداؤه بدون أخذ مال من أحد، وحرمتها كما تكون على الآخذ تكون أيضًا على المعطي والوسيط؛ وذلك بدليل القرآن والسنة وإجماع العلماء.

 

أولا: القرآن الكريم

يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].

قال الذهبي:

قوله تعالى: ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ [البقرة: 188]؛ أي: لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقطعوا لكم حقًّا لغيركم، ويقول سبحانه: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: 42]، قال عبدالله بن مسعود: السُّحْت: الرِّشوة.

قال الحكم بن عبدالله: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرِّشوة؛ فإنها سُحت، وكان أبوه على شرط المدينة.

 

ثانيا: السنَّة الشريفة

روى أبو داود عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الراشي والمرتشي”.

اللعن: هو الطرد من رحمة الله التي وسعت كل شيءٍ، ولا يكون إلا في شيءٍ حرام.

 

ثالثا: الإجماع

أجمع العلماء على تحريم الرِّشوة.

 

أركان جريمة الرِّشوة

إن لجريمة الرِّشوة ثلاثة أركان كما يلي:

1- مرتشٍ: وهو الشخص الذي يتقاضى من غيره مالًا أو منفعة ليقوم له بقضاء مصلحة، يجب عليه أداؤها، أو يقوم له بمصلحة غير شرعية.

2- راشٍ: وهو الشخص الذي يبذل المال أو المنفعة ليحصل شيئًا ليس من حقه، أو يمنع الآخرين من الحصول على حقوقهم الشرعية.

3- رشوة: هي المال أو المنفعة التي تُبذَل بقصد حمل المرتشي على قضاء مصلحة غير مشروعة.

طرق إثبات الرِّشوة: تعتبر الرِّشوة جريمة مالية؛ ولذا يمكن إثباتها بما تثبت به الأموال كما يلي:

1- شهادة الثقات من المسلمين.

2- شهادة المتهم على نفسه.

3- القرينة القاطعة.

صلاح نجيب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق