مواسم البوح

السجدة الأخيرة

قصة

سنون عربدة تمضي ..وأيام من التسكع تنقضي، لم يعرف له فيها قِبلة ولم تطأ يمناه عتبة مسجد .ظل في مجونه ذاك وقد قارب في عجالة  عقده الرابع ..ولا ثمة واعظ ولا هنالك رادع ..خَشِن الطباع مع الأهل والجيرة على حد السواء …جم المشاحنة كثير الأعداء ..

سعى والده جاهدا أن يثنيه عن قبح ألفاظه وسوء فعالهK لكن لم يُجدِ ذلك نفعا ولم تخلف نصائحه في النفس نفعا .فلا أثَّرت  في سيرته خصال والده …ولا وجدت لها حيزا في سريرته .

كان كثير التأفف لا تطيب له وجبة، ولا تروق له جلسة، غضوب لا تزجره صيحة ولا تهذبه همسة …

ينزوي في غرفته التي لا يلجها إلا وقد أكل الليل أزيد من الثلث. ثم يبدأ في تصفح جواله وسماعة به تصم أذانه .

فظ المعاملة مع إخوته حاد الرد على من أنجبته ..تلك الحنون التي لم تتعب ولم تكل في نصحه باللين تارة وبالجفاء طورا ..

_ بني : لم لا تصلِ ؟ ما الذي ينقصك ؟

قالت الأم هذه العبارة رغم ما لاحظت عليه من  ازدراء وتهرب ولجاجة .

لم يعر لما لفظته أمه اهتماما مطلقا، واستمر في غيه وضلاله  …

لكن إصرارها وتكرار تذكيرها كلما سنحت الفرصة لذلك خاصة عندما يهم بأخذ حمام منعش بعد حصة رياضية بالجوار..تلك الجملة التي باتت ترن في مسمعه كلما حدق في وجه أمه ..خاصة وقت الصلوات المفروضة ، فما إن يرى والده يغادر خارجا تجاه مسجد قريب ..حتى يتملكه شعور غريب وقشعريرة تهز بدنه ..وبعد صراع مرير بينه وبين نفسه التي ألفت أزَّه نحو كل منكَر ..من فجور أو مخدِّر أو مسكرٍ..قصد المسجد لأسابيع وبدا عليه النذر القليل من التغيير ..وأظهر بعض اللين في البيت وقلة السهر خارجه ..

لكن شلة السوء التي كانت ترافقه في كل فعل  وتوافقه في كل قول ..لم تنصرف عنه ولم تتركه لشأنه ..فظل يتأرجح بين النجدين . يجابه بعزيمة كبيرة ضدين .

طرب الوالد كثيرا لما آل إليه حال ولده وفكر مليا وبجدية في جلب عروس له يتم بها نصف دينه .

وقف النجل ذات عِشاء  مصليا منصتا لصوت الإمام المذهل، فاغرورقت عيناه وراح يستحضر خطاياه.. وفي جوف ذاك الصدر أنين وألم كامن دفين .وما إن مرغ جبينه على السجاد السندسي خاشعا مناجيا داعيا …إلا ورجفة كبيرة ووجوم مطبق كاد يشل حركته .إذ وفي لحظة فزع وخوف تصور فيهما  أن تكون تلك السجدة آخر عهده بالخضوع والإذلال لرب العزة وصاحب الملكوت .

_ ماذا لو تقبض الأنفاس ها هنا ؟

رددها في نفسه وهو يئن من وقع ما تصور.

ماذا لو كانت هذه آخر صلة له بأديم الأرض زلفى إلى الخالق ؟.

قُضيت الصلاة فانصرف الجميع إلى دورهم وذويهم ..وبينما همّ الشاب بالعودة إلى البيت اصطدمت  سيارته في غفلة منه بعمود إنارة .

نقل المصاب على جناح السرعة حيث مشفى المدينة ..فتجلى واضحا كسر في عموده الفقري ألزمه الفراش مقعدا متحركا ..ثمة أدرك مما لا يدعو للريبة مطلقا أن جبهته لن تطال الصعيد لتعبد العلي المجيد …وأن كل تلك السنين الماضية لم تعد سوى كابوس يؤرقه، ويزيد من تفاقم  آلامه .

ندم الشاب على كل ما فرطه في جنب بارئه وعلى تلك القوة والحيوية التي أفلت، والتي كان يرمح بهما كجواد في مرج من الذنوب والمعاصي.

لكنه قطع على نفسه عهدا بألا يتخلف عن فرض ولو فوق كرسي آلي .فقد رق قلبه ولان جانبه وطاب لسانه، وقرب دمعه  خاصة مع أفراد  أسرته وذويه .

كانت تلك إذن آخر سجدة له، لكنها كانت باكورة الخطى إلى بيوت الرحمان.. وبقدر ما كان يتألم كلما شاهد جموع المصلين ساجدة ، بقدر ما كان يحمد ربه أن جعله بينهم.

إبراهيم  مقدير / الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق