العمود

السفهاء على نياتهم يقعون

بكل وضوح

حسب ما تم تداوله على نطاق واسع فقد أقدمت تلميذة في الأيام القليلة الماضية على محاولة انتحار بإلقاء نفسها من شرفة منزل بإحدى بلديات ولاية باتنة، وحسب ما تم تداوله أيضا فسبب ذلك يعود لضغط العائلة على التلميذة بعد أن قامت معلمة بإبلاغ ولي التلميذة بأن الأخيرة قد عثر عليها وهي “رفقة زميل لها بالمدرسة”، وبغض النظر عما إذا كانت المعلمة قد فعلت ذلك بتوصية من العائلة أم عملا بما يتطلبه النظام الداخلي للمؤسسة، وبغض النظر عن تصرف العائلة مع التلميذة رغم أنه أيا كان التصرف فذلك ما يدخل ضمن حق العائلة وحريتها في طريقة تربيتها “للتلميذة” إلا أن الغريب هو أن أطرافا قد استغلت الأمر وأخذت تتاجر بالقضية وأطلقت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار “الحوار مع زميلي ليس جريمة”، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن المعلمة التي تعتبر طرفا في القضية قد نالت القسط الأكبر من السب والشتم واللوم والعتاب لدرجة اتهماهما “بالدعششة” أي اتهامها بتبني الفكر الداعشي وهو تعبير عن التفكير المنغلق والتفكير الإرهابي إن صح التعبير.

لا ندر لما لم نسمع صوتا لهذه الأطراف في الكثير من المرات التي تم الاعتداء فيها على تلاميذ جنسيا؟ ولا ندر لما لم نسمع صوتا لهذه الأطراف في كثير من المرات التي تم فيها تعنيف التلاميذ من طرف معلمين لا يفرقون بين “المؤسسة التربوية” وحلبة الملاكمة، ولا ندر لما لم نسمع صوتا لهذه الأطراف في كثير من المرات التي تم فيها الاعتداء جسديا على المعلمين، وغيرها من الأمثلة التي كان واجبا على هذه الأطراف أن تقف فيها موقف المحايد وتناضل بموضوعية ضد العنف في المدارس وضد التحرشات الجنسية في المدارس وضد الانحلال الخلقي في المدارس، لكن ولأن الأمر يتعلق هذه المرة بفرض للنظام الداخلي لمؤسسة تربوية والذي يدخل ضمن فرض “الحشمة” والحفاظ على حرمة المؤسسات التربوية فقد غلف الانحلال الخلقي بغلاف “الحوار” كي يمنح شرعية وكي تعطى “اللقاءات المشبوهة” داخل أسوار المؤسسات التربوية “صورة إيجابية” من أجل تقبلها أو بالأحرى فرضها على المعلمين والمربين على أنها “حضارة وتمدن ورقي وتفتح” ويتهم في المقابل كل شخص حريص على “عرضه” بالدعششة، أي أن من يرفض الدياثة فهو في نظر من “يدعون التحضر” “مدعشش” أو “شخص متخلف”، فمنذ متى أصبحت الحرمة في الأوراس “دعششة”؟ ومنذ متى أصبح من يسعى لتربية “بناته” على الحشمة والسترة والأدب “شخصا ذكوريا معقدا”؟ أظن أن الأمر يتعلق بما تعبر عنه عبارة “ما يقرى السفيه إلا ما فيه” وكل ما بات يغلف بغلاف “التحضر” لهو أشبه بالسم في العسل.

عبد العالي بلحاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.