مواسم البوح

السلطة السائلة

مقال

في الشهر التاسع من سنة، يثب الخريف على الحياة كي تصبح الطبيعة نوادي تعرٍ، وتصبح آمالنا كالعاهرة الصغيرة في الوطن العربي الكبير، خلال هذا الشهر تحديدا، نشهد فيه محاكمة صورية للإنسان بعد صيف ملتحٍ باللهو والإنفاق على رهانات المتعة،  ليعود الشهر التاسع و تشهد أيامه كلها قصاصات من الشجر لتعلمنا بعض الفلسفة الدورية للحياة.

نستطيع أن نقول أن تاريخ الإنسان منذ طوفان النبي نوح وإلى حياة ما بعد النبي محمد (ص)، عاش  حالة من الخرافة، وحالة موازية من ضعف الوازع الفكري ففضح العلم نشاط الجنون الذي كان يعيش على ضعف الإقبال على الحقيقة ولعنة كل ثقافة فكرية تعكس عقله الراكد، ولكن هل سيستطيع أن يصل الإنسان إلى هدفه عن طريق اللعنة ؟، ما أحوجنا إلى سندان ومطرقة ندق بها هذا الحل السهل: الملاعنة، وبطبيعة الصورة المنطقية، تتشكل سلطة مباركة الذات لجميع نشاطاتها مهما كانت خاطئة.

ولكن الكيل بمكيالين أصبح تطورا ذاتيا على مستوى القضية الواحدة، وأصبح ذلك الانفتاح على مستوى المعايير نطاقا ضيقا لفهم كل العمليات الفكرية لتشكيل عناصر سلطة مباركة الذات، والتي تتدفق حسب سرعة الميغابايت بعقولنا المحاصرة بجدران الحرمان من المعلومة الصحيحة .

ها أنذا أتقوس على ورقتي المجعدة كي أكتب كل هذا على شرفة الشهر التاسع، ولا أخاف شيئا سوى أنني نسيت شيئا بين رموز هذه المدونة التي ستنسى في صندوق كتبي القليلة ولن يقرأها أحد سواى وندف البرود الكثيف تتألق حول نظراته الممتلئة بالحروف التعبيرية المتخمة.

ولكنني سأواصل الحديث عن سلطة مباركة الذات، التي جعلت الإنسان يستحسن مذاق كل شيء قذر يقوم به .. هذه السلطة جعلت قصور حرية الإرادة وهما، و جعلت العلاقات الإنسانية رسما  مغدقا بفنون نفعية فائقة الرقي، ليس لأجل شيء سوى للاستمتاع أكثر ببعض حيوان يحمل جثة إنسان متحضر على كتفيه، و لكن يبدو أنّ  أحفاد هولاكو من جيش المغول لم يحرقوا  كتب بغداد و يضرموا اللهيب بموانئ القاهرة بعين جالوت  فحسب، و لكن يبدو أنهم قد ورثوا كل الحكام المسلمين  سلطة الذات المباركة التي تحوز قدوة القوة  الفردية على البقاء في الذاكرة لمدة طويلة جدا..

هذه السلطة يا سادة، أصبحت مسألة جينية تنتقل من جيل إلى جيل، دونما أن يخضع جيل إلى تقييم أو إصلاح حضاري  يكفي لوضع عنوان مناسب له، و ربما كان هذا الصنف من الكائنات البشرية التي حصلنا عليها اليوم هو بذخ حياة نظرية المؤامرة الداخلية ضده ناهيك عن المؤامرة الخارجية في الحبكة التربوية، لذلك فهو اللاعب الهش غير المتماسك والراغب في الحصول على الأشياء مدرارا دون بلوغه الوقت المناسب لكل مرحلة يستطيع أن يستوعب فيها ملكة الأشياء والأفكار على حد سواء، و كل حياته أصبحت حلولا دون مشاكل، أو بالأحرى يتم تأجيل مشاكله حتى تصبح نتائجها فاصلة خلال المرة الواحدة، و يكون مجبورا على البحث عن حياة جديدة أخرى توافق أريحية نمطه القديم  كي يثبت لغيره أنه يتطور حضاريا و علميا..

ولماذا أيها السادة أجدكم تصدون آذانكم عني، أنا أستطيع سماع انطباعاتكم المشمئزة من حديثي المطنب والممل، ولكنكم شئتم أم أبيتم، أنتم تبحثون عن عدم التوقف وتمريغ سلطة ذاتكم المباركة في البحث عن الاستمرارية حتى خارج نظم الحقيقة، ولن يكترث أحد لو توقفتم بالفعل، لمجد هذه السلطة ، تغيرت دساتيركم أيها السادة وأصبحتم تتماثلون إلى النزاع  ببلاط الكراتاس حيث تمارسون أعمال الهمز واللمز في الألقاب الحكومية العليا، ثم تستوقفكم مخاوف ثورة المصلحة العامة للشعب وتوزعون الدرجات الوظيفية المركزية حسب عدد الذين باركوا عملكم واتفقوا على عدم إعلان حرب على عاداتكم المهنية السيئة والتي أصبحت الدرع الحامي لقانون سوق العمل الميداني. أنتم أيها السادة اللذين تصبحون ثوارا ضد الفوضى قد كنتم عبيدا لأخطاء بداخلكم وباركتموها بنسبها للطبيعة البشرية، وكنتم تعرفون أنكم لم تسلكوا سلوكا حضاريا البتة.

دعوني أيها السادة، أستعيد عصرا من العصور القديمة خلال حكم الملكة سبتيميا  زنوبيا، والتي حكمت تدمر بشكل ثائر ضد الروم على أراضي الشام، وفي استمرارية عرف عاطفي مقيت كان يهد غرور الذكور الذين قاسوا معاييرهم الوجودية على الأرض بمدى قبول النساء اللواتي اختاروهن لزواج مسمى بزواج النحب، وكاختيار ثان،  قد تتمكن النساء  من رفض الرجال  فيطلبون من كهنة المعبد قتلهم، لأنهم لا يستحقون العيش بعد هذا، أما في حال الموافقة، فسيبارك شهامتهم كل الرجال ويعيشون حياة مليئة بالفخر ويحملون هذه السلطة النفسية إلى الأبد. ما هذا التحول الوجودي الذي يزج بكرامات الإنسان في سلطة الشعور بالفخر ؟  والأكثر مقتا في هذا، تضحية كاملة بالإنسان من أجل علاقة اجتماعية مثل الزواج ؟  ولكنها على أي حال، كانت قوة سيئة جدا للحصول على سلطة الذات وتلخيصها في موقف مستفز كهذا، و لكنها أجازت أعلى درجات الاستهتار بالإنسان من أجل سلطة يضمرها تاريخ طويل من التهميش.

ولكن لا عليكم أيها السادة، سأغير الموضوع قليلا، وقد حضرت لكم قائمة من الأسماء: فيرزاتشي، ديور، برادا، دولتشي أند غابانا، هريميس، قوتشي ، هل عرفت إحداهن أم أستمر بالقراءة ؟  ربما تمكنت من معرفة أحد هذه الأسماء وأدركت أنها أسماء لماركات تجارية  تكتسح عالم الموضة والأسابيع الفاشية التي تثير مشاعر سلطة مباركة الذات بالأشياء الجميلة والراقية، وكان آخر شيء رأيته فيها هو قطعة جلدية حقيقية للحمار الوحشي وعليها حزام جلدي أصلي من شركة قوتشي. لقد حضرت لكم قائمة تستند جذريا على تقديم كل ما هو بدائي بعد أن فقد الإنسان علاقته بالذوق وأصبح فقط كحيوان لاهث خلف وميض شيء يجعله يمتلك بعض القيم الجمالية لنفسه كي بثبت بعض المجد ويغني خزائن هؤلاء التافهين بحق  لجعله “مختلفا ” ولكن في هذا السياق قد سبق حرف التاء حرف الخاء للأسف الشديد.

لا تملوا أيها السادة الذين تخيلتكم جمهورا من القراء، ولكنكم غير موجودين بالفعل ، لذلك سأطوي هذه الورقة و أضعها في رف كتبي، سأطفئ النوم و أذهب إلى النور..

فاطمة حفيظ / الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق