ثقافة

الشرق والغرب أو الرحلة صوب الذات

التفكر بصوت عال

الرحلة الغربية صوب الشرق هي رحلة صوب الغرب بالدرجة الأولى، يبدو أن الرجل الغربي سواء تسمى كاتبا رومنسيا أو تسمى قائدا حربيا، سواء أكان شاتوبريان الذي يبدو حاملا للبذور الانسانية وهو يذهب إلى أميركا للتأمل في غراميات إطارها الغرائبي هو بلاد الهنود الحمر (وقبيلة الناتشيز تحديدا)  الذين لم يكونوا شيئا مذكورا إلى غاية بداية القرن التاسع عشر الذي افتتحه شاتوبريان بنصين هامين :”روني” و” أطالا”، عدا كونهم مواد لتقارير عديمة الاعتبار لإنسانية الإنسان تتضمن السلع والأراضي المفتوحة لتعظيم صيغة غربية غازية للمسيح لو أن المسيح كان قد رآها لكان تردد قليلا قبل أن ينصح اتباعه الأفارقة الكثيرين بمد الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن، والغالب أنه كان سيفعل لسبب بسيط هو أن الرصاص الاستعماري يستطيع اختراق الخدين معا في الوقت نفسه. الغالب أيضا أنه كان سيردد عليهم نظرية نبي الإسلام الحربية “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم “؛ فهي نظرية أكثر واقعية لمواجهة النزعة الاستعمارية التي سنكتشف طيلة قرنين أنها نزعة مستحكمة في الإنسان ما بعد النهضوي. إنسان استطاع رسم خرائط العالم كله، وطور تكنولوجيا بحرية اصابته بفتنة ارتياد الآفاق وإحداث جروح في جسد أناس مختلفين إلى درجة تشكيك الكونكيستادور هيرنان كورتيز في إنسانيتهم. أناس ليسوا بشرا ولا يعرفون المسيح. أي أنهم أقرب إلى مفهوم الحيوان منهم إلى مفهوم الإنسان. إنسان لا يخلف النظر إليه أية تبعات أخلاقية.

هل أن الإنسان حينما يسافر بعيدا عن دائرة المألوف يقع خارج دائرة الأخلاق؟

قد يقصد افنسان فس أحواله كلها دائرة الأخلاق هذه من أجل التعبير عن رفضه لما يراه من عنت إنساني. وذلك ما يبدو أن فلوبير قد فعله. فلوبير في رحلته المشرقية رفض تماما تسجيل إعجابه بالفتوحات الاوروبية الغربية في بلاد العرب والمسلمين والشعوب التي يبدو أنه لم ينجح كثيرا في كرهها والتي تختزلها تسمية “المشرق”. فلوبير إنساني يحتفظ بالعين الإنسانية.

كانت لجيرار دي نيرفال – على يد أخرى- رحلة مثيرة إلى المشرق. رحلة رجل يقف عند مفترق عصرين صاخبين… رجل اصابته كباقي أبناء عصره فتنة الشرق، ولكنه عايشها بشكل مختلف عن الشكل الحسي البدائي المادي الذي أورثه نابليون بونابارت إياه،  شكل مفتون بالأدوات والغرائب… كان ما يجذب دونيرفال من جهته هو الجانب الروحاني، ولم يذهب إلى هنالك متأسيا على المسيحية التي مرغت أرضا (والتعبير من رحلة شاتوبريان الشهيرة “المسيرة من باريس إلى أورشليم”)… بل ذهب باحثا عن الآثار الأكيدة للفكرة الدينية على أرض عرفت طبقات كثيفة من الوجدان الديني هيمن عليها الإسلام، وأرخت لها اليهودية بتاريخ قوي الحضور، وزانتها المسيحية التي حافظت على وجودها هنالك رغم التأسي المبالغ فيه لشاتوبريان، ولكنه وجدان ديني يجد نفسه أكثر – حسب عيون دونيرفال- في الطقوس المترسبة منذ إيزيس؛ الأم الأولى لكل المتدينين. إيزيس الشاهدة على ميلاد الروحانية في العالم.

لا يمنع هذا التأمل القوي والثري الذي صب دونيرفال جامّ تركيزه على مصر وعلى المصريين… الروائح والألوان، الحياء النسائي والضوء القوي الساطع دوما، المباني والتصاميم التي تشكل طبقات من الثقافات ومن مصادر التأثيرات، وكل هذه التفاصيل التي أورد دوساسي عصارتها الجميلة في تقريره حول مصر بطلب من بونابارت نفسه، كلها كانت تستوقف دونيرفال فيذهب بعيدا.

ربما يكون دونيرفال مصابا بمرض ما من أمراض العصر كما يسميها خليفته في الشعر الرومانسي “ألفريد دوموسي”… دو نيرفال مصاب فعلا بالتداعي  الذي يعرفه القرن التاسع عشر. “مرض العصر” كما يسميه الفريد دو موسي.

فلوبير عاش قصة أخرى. ابن الأحياء الشعبية ذهب في مسار آخر. عين غير ارستقراطية. عين متلذذة باستمرار. عين تبحث في ملامح جحيم الصحراء عن ملامح الجنة التي صورها مدونو المصريات الكبار.

الصورة التي عمل القرن الاستعماري الكبير على إشاعتها كانت لها أسباب مختلفة. فخلف الجمالي يوجد الأخلاقي، وتحت الاجتماعي يختفي الايديولوجي، وفيما وراء الفن تتوارى دائما معطيات السياسة.

امتلأت الصحافة والاكشاك في هذا القرن بصور تغريبية هدفها فتنة الشباب لأجل إقناعهم بالانضمام إلى صفوف الجيش. بطاقات بريدية وصور للهدايا وأصناف متنوعة من الحوامل التي تحمل صور نساء زنجيات أو سمراوات قمحيات البشرة عاريات الصدور كانت تملأ شوارع العواصم الأوروبية بهدف إغراء الشباب بجنة نسائية غرائبيبة مليئة بما لذ وطاب.

كانت المستوطنات (المستعمرات) جلابة للربح جمالة للثراء، وكان كل ذلك بتطلب جيوشا كبيرة لتأمين الحماية اللازمة، ولكن الانضمام الى صفوف الجيش لم يكن كافيا لتأمين الأعداد الضرورية من الجنود. فما كان يحدث هو أن الإعلام الموجه كان يعمل على الشكل نفسه الذي نراه اليوم، والذي يلخصه الشاعر العربي في قوله:

أواخر الدهر بعض من أوائله    ناس كناس وأيام كأيام

ما كان يحدث هو أن كثيرا من الصور كان هدفه هو الدعاية لعالم المستعمرات الذي لم يكن شباب أوروبا آنذاك مقتنعا بالذهاب إليه؛ شباب كان يرى أوروبا الغالبة القوية التي كانت تعرف انتشار الكهرباء والغاز في شوارعها، وانتشار الإنارة العمومية التي تضمن حياة ليلية جميلة تستمر ليلا بعد غلبة الظلام، حياة تمس العامة ولا تختص بها بلاطات معينة فقط مثلما كان عليه الأمر قبل ذلك القرن المجيد… حياة بديعة جميلة تغري بالالتصاق بها لا بالتجنيد والذهاب إلى حيث الحرارة التي لا تطاق والحياة البائسة والمحاربة مع أجانب لا نعرفهم قد تكون نهاية مطافنا معهم القتل بكل بساطة.

كان المشارقة قد بدأوا يغزون الأدب الاوروبي منذ فترة غير قصيرة. وكان لنمط الحياة الأندلسي الذي هو العلامة الثقافية الكبرى التي تركها الشرق في الغرب، وكذا للعالم عالي الألوان كثير التنميق الذي في ألف ليلة وليلة دور كبير في خلق جاذبية سحر الشرق.

فسيرفانتيس يقول بأن حكاية دون كيخوتي دي لامانشا قد رواها له سجين عربي في سجنه بالجزائر… وأجمل ما لحنه مونتيفيردي وجاون داولن غير بعيد عن زمن سيرفانتيس كان صوناطات على آلة العود المشرقية. أما فولتير، فيختار بلاد الفرس في روايته الفلسفية الجميلة “زاديغ” إطارا مرجعيا لفعل التفكير ولحضانة الحكاية التي جوهرها البحث عن الحكمة. كما يختار اسما عربيا مسلما “الصديق” عنوانا لعمله. وسيفعل أبناء ذلك القرن الهام جدا هذا الأمر مرارا، فقد كتب مونتيسيكيو “الرسائل الفارسية” ولحن موزار في القرن نفسه اوبيرا “اختطاف السرايا” واضعا إياها في إطار تخييلي مشرقي بامتياز. وما هذه إلا فيوض من غيوض…..(يتبع)

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق