العمود

الشعب… طرف أم وسيلة؟

لا أحد يمكنه أن ينكر بأن لأبناء الشعب الجزائري بمختلف فئاتهم وشرائحهم رؤية واحدة وهدف واحد وحتى تخوف واحد طالما أن مستقبلهم واحد ومصيرهم واحد، فلا أحد يمكنه أن ينكر بأن الشعب قد سئم الأوضاع المزرية التي آلت إليها البلاد خاصة في السنوات الأخيرة وأصبح يكفر بالعفن والعبثية التي طالت كل مؤسسات الدولة وبات يرجو الخلاص من كثير من المسؤولين المتسببين في دخول البلاد إلى نفق لم تر نهايته بل نفق لن تكون له نهاية لو أن الشعب بقي صامتا، لهذا فقد كان قرار الخروج إلى الشارع من طرف الشعب مطلبا قديما من أجل تغيير ما يمكن تغييره، والتعبير عن الرفض المطلق للواقع الذي أصبح مؤلما تقبله والخضوع للأمر الواقع فيه، وكان ترشيح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة النقطة التي أفاضت الكأس وبلغ بها السيل الزبى فانتفض الشعب أخيرا وقال “لا للعهدة الخامسة” ولا لاستمرارية العفن.
عندما يخرج الشعب في وقفة واحدة وفي مسيرات مليونية ضد العهدة الخامسة فذلك ما يمكن أن يدخل ضمن المنطق والمعقول كردة فعل على استفزازات المتملقين والمتسلقين والشياتين” من دعاة الاستمرارية، وهنا يمكن اعتبار الشعب طرفا مهما في معركة تقرير المصير، لكن أن يصل الأمر لأن ينقاد الشعب خلف رسائل مجهولة المصدر فذلك ما يجبرنا على التساؤل حول من يقوم بتوجيه أغلبية الشعب والتحكم في واقعها عبر “المواقع”؟
إذا ما سلمنا بأن الشعب هو من يوجه نفسه بنفسه فذلك ما يعني أنه سينقسم لأنه يسير وفق اللامنهجية ووفق اللاتخطيط وذلك ما يعني كذلك أن كثيرا من الرسائل المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي هي رسائل وتوجيهات فردية تتبناها الجماعة بعد التكرار والانتشار، أي أنه يمكن لأي شخص أن يلقي باقتراح ويحرص على انتشاره بالتكرار وذلك ما يعني أيضا أن التوجيهات قد تحتمل الصواب وقد تحتمل الخطأ وعندما تكون التوجيهات عشوائية ليست صائبة بشكل مطلق فذلك ما يعني أنها خطر على “قضية الشعب” أكثر مما هي في صالحه.
أما إذا رجحنا فرضية أن يكون الشعب موجها من طرف جهة ما فذلك الخطر الأكبر، لأن الشعب في هذه الحالة يصبح موجها من أكثر من طرف، أي أن بإمكان أية جهة أن تستعمل الشعب كوسيلة من خلال دفعه إلى تبني أفكار وتنفيذ مقترحات وتوجيهات مجهولة المصدر، وهذا ما أوضحه إظهار الشعب للوعي من خلال استمراره في فرض السلمية في كل المسيرات والمظاهرات طيلة قرابة ثلاثة أسابيع وعدم تسجيل أي تجاوز أو عمل “تخريبي” رغم العدد الهائل للمتظاهرين ومناقضته لهذا الوعي عندما قرر شل “الحراك” وقتل الوعي بإلحاق الضرر بأبناء الشعب من طرف الشعب، وعندما يناقض الإنسان نفسه ويظهر بموقفين مختلفين في قضية واحدة فذلك ما يعني أن هناك طرفين أو عدة أطراف تستغل “انقياد الشعب بلا قائد” وتستعمله كوسيلة تضرب الأطراف بها بعضها بعض، لهذا فالحل الوحيد لتفادي هذا الأمر هو أن يثبت “الشعب” على طريقة واحدة للتعبير عن رغباته ولا ينساق وراء أي “دعوة” إذا ما أراد أن يكون طرفا لا وسيلة.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق