متابعات

الشهيد عباس الغرور.. أكبر استراتيجي حرب بشهادة العدو قبل الصديق

قال الله تعالى:

أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير 

هو رجل من الرعيل الأول للثورة من منطقة الأوراس عرف بين الضباط الفرنسيين كأكبر استراتيجي في حرب الجزائر بالرغم من أنه لم يؤدي الخدمة العسكرية، كل من واجهه من الضباط الفرنسيين شهد له بقوته وشجاعته وحنكته العسكرية، من أشهر مقولاته قبل اغتياله “أذكروني بعد الإستقلال”، هو الشهيد عباس لغرور الذي شهد على قوته وحنكته العدو قبل الصديق والذي استشهد دون أية رتبة عسكرية رغم انه أطاح بالكثير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ. كريم بن الذيب

ـــــــــــــــــــــــــــ

اعتمد عباس لغرور في حربه ضد الاحتلال الفرنسي على حرب العصابات وهذا لعدم تكافئ القوى والإستراتيجية الوحيدة في مواجهة الاحتلال، كان يعتمد كثيرا على نصب الكمائن، حيث يطلق عليه المجاهدون رجل الـ 163 كمين ومعركة

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

اعتمد عباس لغرور قبل تفجير الثورة على خلق خلية “طلابية”، لتحسس وتوعية جميع الفئات معتمدا في ذلك على إلقاء الخطابات في الحمامات الشعبية والأسواق، وفي الأعراس والحفلات والأعياد، وإنشاد الأغاني الوطنية، ومحاولة إقناع المواطنين بضرورة الانتقال إلى الفعل الثوري المسلح، حيث قام بإنشاء خلايا دعم في مدينة خنشلة وحتى في مختلف الدواوير الواقعة في السهول وأعالي الجبال من أجل التحكم في المنطقة، وقد استطاع أن يحيط نفسه بعناصر مخلصة وواعية ساعدته على رفع مستوى الوعي ونشره وسط الشعب، جمع من بينهم ستين رجلا من الشجعان ذوي العزيمة أهلتهم لأن يكونوا فيما بعد رواد  لثورة أول نوفمبر، والتي استطاع أن يثبت نفسه فيها بأنه أهل للقيادة في أول عملية له والتي تصدرت الصحف الفرنسية صبيحة أول نوفمبر، وحسب شهادة المجاهد علي مزوزي أن هذه العملية الأولى التي قادها عباس لغرور هي التي جعلت مصطفي بن بولعيد يعينه نائبا له وليشيحاني بشير، وبعد اشتداد وتزايد الضغط على منطقة الأوراس أسندت له قيادة منطقة خنشلة بأكملها، وذلك بحرية التصرف فيها حسب التطورات والأحداث الحاصلة في المنطقة.

استطاع عباس لغرور أن يبرهن على الصعيد العسكري عن نشاطه الدؤوب وعلى جدارته بالمنصب الذي منحه مصطفي بن بولعيد، حيث يقول الوردي قتال أحد خصومه السياسيين الكبار: “عباس إذا مضى عليه ثلاثة أيام لم يخض فيها معركة مسلحة، يقول لقد خنا الجزائر”.

واعتمد عباس الغرور في حربه ضد الاحتلال الفرنسي على :

1 ـ السيطرة على السكان

لقد تمثلت إستراتجية عباس لغرور قبل تفجير الثورة في القيام بتهيئة المناخ السكاني وهذا عن طريق توعية الفئات التي مسها ظلم مثل التجار والفلاحين بالإضافة إلى الطبقة المثقفة المتمثلة في الطلبة والتي  كانت سندا له، حيث يقول العقيد دومينيك فرال: “أصبح لغرور يسيطر على جميع المناطق الواقعة بين وادي العرب وقنطيس على ما يقرب 1400 كلم، أي ما يعادل مساحة عمالة فرنسية كاملة يقطنها أكثر من 20000 نسمة أغلبهم من قبيلة ولاد الرشايش”، أما بيجار الذي كاد يقتل في خنشلة يقول: “لا يتعلق الأمر بملاحقة بعض العصابات المشتتة في أدغال منطقة سوق أهراس، ولكن بمواجهة قوات القائد المتمرد عباس لغرور، السيد الحقيقي المسيطر بلا منازع على الشعب القاسية وعلى سكانها الشاوية… رجالها مناورون ممتازون ورماة بدقة”، ويذكر في كتابه ( Ma Vie Pour France ) : ” يسيطر على منطقة النمامشة وهو قائد حرب حقيقي إنه عباس، إنه يهيمن على كل تلك المنطقة بما في ذلك السكان المدنيين الذين كان هو معشوقهم، يعود لكتيبتي شرف السيطرة على هذه المنطقة المستحيلة، التي انهارت القوات الفرنسية فيها مرات عديدة”؛ إذ تعد هذه السيطرة التي فرضها عباس لغرور على سكان المنطقة من أكبر الاستراتيجيات العسكرية في الحرب ما جعلت القوات الفرنسية تنهار باستمرار في قطاع عباس لغرور بشهادة الجنرال بيجار، حيث يقول الرقيب الحركي (Goumier  ) : ” إن هذه الحرب الثورية تتطلب وضع اليد والسيطرة على السكان المدنيين وهذا هو الهدف، ومواجهة جبهة التحرير لأنها هي نفسها تعمل على كسب السكان لصالحها، وهو تكتيكها وإستراتيجيتها لأن السكان هم الذين يدعمون الثورة بالجنود والقادة والمؤن والمعلومات… وعليه فنحن العسكريون… تحطيم أسلحتهم الإستراتيجية… فمن أجل خنق هذا السمك” لابد من تجفيف المياه، ذلك أن عدونا (المجاهدين) بدون شعب يموتون عطشا”، أما العقيد دومينيك فارال فإنه يعتبر هذه السيطرة التي فرضها عباس لغرور في هذا النوع من الحروب تعتبر من أكبر الرهانات في الصراع.

إن ما ذهب إليه كل من الجنرال بيجار والعقيد دومنيك فارال والنقيب الحركي (Goumier) فيما يخص السيطرة على السكان في الحرب يؤكد لنا مدى أهمية وقوة هذه الإستراتيجية في مثل هذا النوع من الحروب، هذا الذي  دفع عباس لغرور إلى توسيع نفوذه وتوسيع رقعة الحرب والتركيز على استقطاب الشعب لصالحه.

 

2 ـ توسيع نطاق الحرب

بعدما تأكد عباس الغرور من أن قطاعه محصن بشكل جيد وتحت سيطرته قرر أن يقوم بتوسيع نطاق الحرب، حيث يقول العقيد دومينيك فارال: “انطلاقا من معقل عباس الحصين الذي يسيطر عليه قام بتوسيع نفوذه نحو المناطق شمالا بين تابردقة وقنطيس ونحو الشرق باتجاه واد هلايل وجنوبا نحو المخيمات الواقعة على مشارق الصحراء، ورفع عدد قواته، حيث قام في جوان 1955 بعقد اجتماع “فم اتغروفت” لإطارات المنطقة تطبيقا لتعليمات القائد بن بولعيد، حيث قرر عباس لغرور إرسال فرقة مجاهدين لنشر الثورة في الصحراء للتوعية والتجنيد وجمع الأسلحة، كما أنشأ “الكوماندوس” ونصب على رأسها عزوي، كما قام ببعث فرقة لنشر الثورة في طولقة، جمورة، أمدوكال ابن سرور جبال عمور، اولاد جلال، واتجه نحو عمر إدريس ومعه فوج من المجاهدين إلى جبل بوكحيل قرب بوسعادة  لتنشيط تلك الجهة وانظم إليه زيان عاشور مع جيشه، وتم تحت إشراف لغرور تكوين أفواج من الجهة الشرقية من المنطقة الأولى؛ وبهذا ارتقى إلى الطور الثاني حسب العقيد دومينيك فارال حيث يقول: “…عباس لغرور قد ارتقى إلى الطور الثاني من أطوار حرب العصابات منذ أن أصبح يسيطر على منطقة خارجة عن نفوذ السلطة الشرعية، وهو القائد الوحيد الذي قتل ضابط فرنسي سامي، وأحد رؤساء السبايس برتبة ملازم، حيث برهن بأنه أكثر نشاط من كريم بلقاسم الذي واجه صعوبات في فرض سلطته على غرب منطقة القبائل بالرغم من السنوات الطوال التي قضاها في كنف السرية بجبال القبائل”.

 

3 ـ حرب العصابات

كما اعتمد عباس لغرور في حربه ضد الاحتلال الفرنسي على حرب العصابات وهذا لعدم تكافئ القوى والإستراتيجية الوحيدة في مواجهة الاحتلال، كان يعتمد كثيرا على نصب الكمائن، حيث يطلق عليه المجاهدون رجل الـ 163 كمين ومعركة، عند نصبه أي كمين يقوم أولا بدراسة الموقع وموضع كل مجاهد حسب نوعية سلاحه والمعلومات الواردة من المسبلين عن تحركات الجيش الفرنسي، يتصدى للقوات الفرنسية حيثما التقى به و يكون دائما هو المبادر بالضرب حسب شهادة المجاهد محمد بيوش التي أوردها صالح لغرور أخ الشهيد عباس في كتابه: (عباس لغرور.. من النضال إلى قلب المعركة)، وحسب العقيد دومينيك فارال فإن عباس الغرور قد ارتقى إلى الطور الثالث من أطوار حرب التمرد،  ألا وهو الهجوم بدون تحفظ حيث يقول: “وبهذا اعتبره أول قائد من بين قادة جيش التحرير الذي وصل إلى هذه المرحلة القتالية حيث صار يتوفر على بنادق رشاشة، وما يقارب (100) من الرجال المسلحين، وفرض سيطرته على السكان البالغ عددهم 50000 نسمة وتجميد كتيبتين فرنسيتين في نفس المكان أي ما يربو عن ألف عسكري، ويجابه الجنود الفرنسيين بنسبة رجل مقابل عشرة تقريبا، وهذا ما يشير له  المجاهد صالح زبير أحد المجاهدين الذين رافقوا عباس في شهادته: “إن عباس لا يهمه عدد الرجال بقدر ما يهمه نوعية الرجال، خمسة رجال يختارهم عباس يمكن اعتبارهم خمسين رجلا، وهي نفس إستراتيجية “ماو تسي تونغ” المعروف بحرب العصابات وبمقولته الشهيرة: “إن إستراتيجيتنا تتمثل في مواجهة واحد ضد عشرة أما تكتيكيا فهو عشرة ضد واحد”، ويتمثل تكتيكه في حالة ما استمرت المعركة بينه وبين القوات الفرنسية في الصمود إلى غاية الليل مع إلحاق أقصى ما يمكن من الخسائر بالعدو ثم الانسحاب تحت جنح الظلام، مثلما حدث في معركة جديدة حيث يقول الجنرال بيجار: “سقط الليل فقضيناه في مواقعنا… في انتظارهم وتقدمت بالفعل مجموعة تحت قيادة رائعة وبانضباط هائل وبشجاعة عالية وهاجمونا بالعمق”؛ ونجد عباس لغرور يعتمد كثيرا على هذا التكتيك في مواجهة الاحتلال، لأن جنوده يتميزون بسرعة الانتشار والإدبار والقدرة على التمويه وسرعة القرار لدى القائد عباس لغرور بالإضافة إلى عامل المفاجئة والمرونة في اتخاذ القرار ومعرفتهم بالمنطقة جيدا عكس الاحتلال الفرنسي.

لقد استطاع عباس لغرور أن يحقق العديد من الانتصارات الكبيرة على العدو الفرنسي، ومن بين أهم انتصاراته في العام الأول من الثورة تمكنه من القضاء على حاكم قنطيس برتبة ملازم أول في أواخر ماي 1955، وقتل طبيب برتبة عسكري ملازم أول في كمين تافاسور في جويلية 1955، وأسر قائد برتبة ملازم أول في النصف الثاني من أوت 1955، والقضاء على العقيد “ميتزنغر” في 9 أوت 1955. هذا ما جعل دومينيك فرال يرقي عباس لغرور إلى الطور الثالث من أطوار حرب التمرد ويعتبره أول قائد من بين قادة جيش التحرير الذي وصل إلى هذه المرحلة القتالية.

لم يتوقف عباس لغرور عند هذا الحد، بل استطاع أن يقضي على العديد من القادة الفرنسيين، ومن بين  هؤلاء القادة: النقيب كروطوف، وإخراج بيجار من أرض المعركة برصاصة على بعد سنتمترات عن قلبه كادت أن تقضي عليه، حيث يقول الجنرال بيجار في كتابه( pour une parcelle )  ، أنه اراد القضاء على الثورة في جبال النمامشة إلا انه انغمس أنفه في التراب بعد أن تلقى ضربة كادت أن تكون قاضية وتدفق الدم من فمه وتلطخت رأسه بالرمال الحارقة.

لقد كان عباس لغرور عسكريا محنكا أرهق الاستعمار الفرنسي في المناطق التي يسيطر عليها بإستراتيجيته المحكمة، حيث اضطرت القوات الفرنسية مرات عدة إلى إعادة النظر في خططها، إن هذا التغيير المستمر للإستراتيجية الفرنسية في مواجهة عباس لغرور يعتبر نصرا له ولقواته، لأنه من الناحية التكتيكية في حرب العصابات النصر يكمن في أغلب الأحيان في فشل النظام القائم في إخلال السلام واستتباب الأمن وليس في إمكانية توقيع الهزيمة، وهذا ما حققه لغرور الذي جعل منطقته بمثابة جهنم على الفرنسيين فاقدا المنطقة أمنها واستقرارها وملحقا بأعدائه هزائم متتالية، وهذا بشهادة الجنرال بيجار في كتابه ( Ma Vie Pour France ) : ” يسيطر على منطقة النمامشة قائد حرب حقيقي هو عباس، انه يهيمن على كل تلك المنطقة بما في ذلك السكان المدنيين الذين كان هو معشوقهم، يعود لكتيبتي شرف السيطرة على هذه المنطقة المستحيلة، التي انهارت القوات الفرنسية فيها مرات عديدة”.

لقد كانت شخصية عباس لغرور تشبه لحد كبير طبيعة جبال النمامشة الصلبة فقد كان يقف بهامة عالية في وجه القوات الفرنسية ويبحث عنها في كل التخوم بغرض محاربتها حيث يقول فيه دومينيك فارال: “من بين القادة الأربعة الذين فجروا الانتفاضة في منطقة الأوراس النمامشة في 1 نوفمبر 1954، مات اثنان هما بن بولعيد وشيحاني بشير وانهارت معنويات واحد منهم هو عجول ولم يبقى منهم سوى لغرور عباس وهو أكثر الأربعة استماتة في المقاتلة”.

يعتبر عباس لغرور من أبرز رواد الثورة في المنطقة الأولى في سنواتها الأولى، قاد المعارك منتصرا، وواجه قوات العدو بكل ثبات وحنكة عسكرية، حيث يعترف الجنرال بيجار بقيمة أعدائه ويذكره رفقة بعض المجاهدين قائلا: “عباس لغرور، عـز الدين، بن مهيدي، أظهـروا الصفات الحقيقية للمقاتلين: البطولة، الشجاعة، سرعة الحركة والمناورة”، كما يقول هنري علاق المناضل المعروف بتعرضه وإدانته للتعذيب في الجزائر في كتابه ( la guerre d Algérie ) ” عباس لغرور اهتم بحيوية بأساليب قتال الوطنيين الفيتناميين، قدرته التكتيكية أكسبته لدى رجاله التسمية المألوفة بـ: “جياب الجزائر” ، أما المؤرخ الفرنسي ايف كوريار فيذكره في كتابه “ساعة العقداء”: “عباس لغرور شاوي (أمازيغي الأوراس ـ النمامشة) رفيق بن بولعيد، وله شهرة، فهو ممن فجروا ثورة نوفمبر، وهو صارم عنيف”، إلا أن هذه الصرامة والعنف ضد القوات الفرنسية هي ضرورة حتمية فرضتها الحرب والظروف المحيطة به فإن كانت فرنسا لم ترحم الشعب الجزائري فكيف لعباس لغرور ورفاقه أن يرحم هذه القوات التي أزهقت روح الشعب الجزائري.

أما الكاتب الفرنسي جلبار ميني الذي كتب عن الثورة الجزائرية بصفة عامة والأوراس بصفة خاصة اذ يقول: “أن الثورة في منطقة أعالي جبال الأوراس عرفت حركية كبيرة فجموع المجاهدين هناك كانوا لا يشبهون البقية في ربوع الجزائر فهم كانوا متعلقين بالمنطقة أيما تعلق أمثال مصطفى بن بولعيد وعباس لغرور وعجول اللذان جعلا من الجهاد قضية حياة أو موت، تمكنا من إعطاء نموذج  للحرب المضادة لم يشهد لها مثيل.

لقد كان عباس لغرور قائدا عسكريا محنكا، في تلك الفترة، حيث يقول عنه بوحارة عبد الرزاق: “إنني تفاجأت وأنا أتكون في الكلية الحربية بعد الاستقلال بتدريس معارك قنطيس وعصفور جنوب ولاية خنشلة، انه رجل محارب من الطراز الأول، يختلف عن غيره من قادة الثورة، أمثال عاجل عجول وكريم بلقاسم وعميروش وبن مهيدي؛ فلا أحد من هؤلاء يشبهه لا في شجاعته ولا في إقدامه ولا في تكتيكه لقد كان دائما يضع نفسه في المقدمة، ابتداء من الهجوم التاريخي ليلة أول نوفمبر 1954 إلى أخر معركة له داخل الأراضي التونسية”.

ويضيف العقيد دومينيك فارال سنة 2009: “فعلنا كل شيء للقضاء عليه، فقد استحال علينا قتله أو عزله عن السكان أو دفعه إلى الاستسلام، لاحظنا أنه كان يملك غريزة فطرية للقتال وساحات الوغى، دون أن يكون تلقى تدريبا عسكريا، فمساره (عباس لغرور) يذكرنا بمتطوعي الجمهورية الفرنسية الأولى، الذين اختيروا كضباط بسبب قنـاعتهم الثورية، فهم تكونوا في ميدان المعـارك، وفي ساحة القتال”.

فعباس لغرور لم يوفق في قتله أي ضابط من ضباط فرنسا، حيث يقول في هذا الصدد العقيد دومينيك فارال: لم يوفق النقيب كروطوف في القضاء على لغرور عباس ولا أحد غيره تمكن من ذلك (باستثناء منافسيه في صفوف جبهة التحرير الوطني الذين يحتمل جدا أنهم اغتالوه بعد سنة من ذلك التاريخ)، وهنا لن نجد أصدق من شهـادة صرح بها أعداء عباس لغرور العسكريين في نفس الميدان.

هذه التصفية التي تحدث عنها دومينيك فارال جاءت بعد إلقاء القبض عليه عند عودته من تونس إلى الجزائر حيث تمت محاكمته محاكمة شكلية والتي قال عنها عمار بن عودة إنها مشكلة من: عبد الله بن طوبال رئيسا، وعمار بن عودة نائبا له، وعمار بوقلاز عضوا، ومحمود الشريف مدعيا، وكانت نتيجة المحكمة الحكم عليه وعلى لزهر شريط بالإعدام، حيث تم اتهامه: بإعدام شيحاني بشير، وقد اعترف عباس لغرور بكل صراحة بإعدامه لشيحاني بشير معتبرا ذلك بأنه طبق القانون وأن شيحاني نال جزائه، وهنا من المفروض أن لا يتم سؤاله عن شيحاني لأنها تبقى قضية داخلية للمنطقة حدثت قبل مؤتمر الصومام حيث كانت كل منطقة تسير نفسها بنفسها بالإضافة إلى هذا فانه من المفروض أن لا يكون الاستجواب من قبل عميروش لأن عباس لغرور كان قائدا أعلى منه رتبة.

لكن بن عودة أكد أن محاكمة لغرور لا علاقة لها بقضية شيحاني، وأن أوعمران هو من أعدم عباس لغرور بأمر من عبان رمضان في 25 جويلية 1957، وبالتالي فإن تصفية عباس لغرور كانت ضرورة حتمية فرضتها الظروف المحيطة به من تغير جذري في نظام جبهة التحرير الوطني، وظهور قيادة جديدة والمتمثلة في لجنة التنسيق والتنفيذ التي طغت عليها الصبغة المركزية، وعلى رأسها عبان رمضان الذي أمر بإعدامه حسب شهادة بن عودة.

وبهذا استشهد عباس لغرور دون رتبة عسكرية وهو من كان رجل المعارك، وتزينت من هم دونه بالكثير من الرتب العسكرية دون أن يقدوا ربع ما قدمه هذا القائد الفذ، إن هذا الإعدام لشخصية مثل عباس لغرور في فترة كانت الجزائر تحتاج لقائد بهذا الحجم هو من أكبر الأخطاء الإستراتيجية لقادة جبهة التحرير الوطني، اللذين سمحوا بتصفية قائد من هذا الصنف، الذي استطاع أن يحقق اكبر الانتصارات على العدو الفرنسي بإستراتيجية فريدة من نوعها حسب شهادة القادة العسكريين الفرنسيين التي أوردناها، هذه الانتصارات التي تضعه في مصاف قادة المناطق والتي تعطيه الأحقية ليكون عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ ومجلس الثورة، فقد كان يدير المعارك والكمائن بكفاءة عالية صاحبها حقد ورغبة كبيرة للتخلص من الاستعمار الفرنسي، إلا أنه تم إقصائه في مؤتمر الصومام من قبل الملتحقين بالثورة.

إن عباس لغرور صنعته المعاناة والظلم الذي عاشه، مثل طرده من المدرسة، ومجازر 8 ماي وسجنه وتعذيبه والكثير من الأحداث التي عاشها جعلت منه شخصا ينضج ويصبح جنديا مكتملا في حرب الاستنزاف ونموذجا فريدا للثوار الذين حملوا على عاتقهم قضية تحرير الجزائر بالرغم من أنه لم يؤدي الخدمة العسكرية إلا أنه اثبت وبجدارة في جميع معاركه والكمائن التي نصبها بأنه القائد العسكري الوحيد في جبهة التحرير الوطني القادر على مجابهة القوات الاستعمارية مهما كان عددها وبإستراتيجية ذكية، كما استطاع عباس لغرور أن يلعب دورا كبيرا في حفظ النظام ومجابهة الاستعمار الفرنسي في المنطقة الأولى وهذا بشهادة الجنرالات الفرنسية ولعلى الكتابات الفرنسية حوله تعتبر دليل واضح على مدى فاعليته في الثورة وذلك لأنه لا توجد شهادة أصدق من شهادة العدو في الميدان العسكري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق