الأورس بلوس

الشّفّاية أكثر من العزّاية!!

لكل مقام مقال

التّشفي فعل ذميم حقّره الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏”‏ لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك‏”‏‏..والمتشفي أو “الشامت” هو من يفرح لمصائب الآخرين لسبب في نفسه أو حاجة أو ثأر أو مرض..ولا يتشفى سوى الخصم أو العدو لأنه لا يمكن لمن يحمل “عواطف إيجابية” اتجاه شخص بعينه أن يسره سوء حاله أو ابتلائه بأي عارض قد يصيبه في نفسه أو ماله أو ذريته أو وظيفته..وغير ذلك..
ومعرفة العدو من الصديق يحسمها “موقف” التشفي بحد ذاته..فما أكثر من نعتقد قرابتهم لكنهم يقلّون عند المصيبة، فلا يكلفون أنفسهم حتى تقديم “واجب العزاء”..وليس من الضرورة أن يتعلق “العزاء” بموت أحدهم..لأنه “مواساة” تجب في كل المصائب بأنواعها خفّت أو ثقُلت..وهذا ما دفع بأجدادنا لتقرير حقيقة أنه “كي اطّيح يكثرو سكاكينها” وبأن “الشفاية أكثر من العزاية”..ومع وجود الكارهين والحاسدين دون سبب أو لسبب يعرفه الطرفين “الشافي” و”المُتشفّى به” عادة ما نردد بامتعاض المثل الشعبي الشهير ” الشّفّاية أكثر من العزّاية”..وقد يكون مجرد الشعور بوجود “شفّاية” يدفع بالكثيرين لإخفاء مصائبهم ومشاكلهم وأحزانهم مخافة “التّشفي”..
وقيل أن لهذا المثل ” الشّفّاية أكثر من العزّاية” أصل و”مورد” وهو المناسبة الأولى التي قيل فيها المثل..وقد يصح الرواة في تناقلها أو تبقى مجرد أحداث يسهم الخيال “الجمعي” في سردها حتى تمتثل لمضربها بصيغة مختصرة قمة في البلاغة..
ويذكر أن امرأة اكتسبت الكثير من الأعداء والخصوم بسبب نرجسيتها وجمالها وغناها..فقد اجتمع فيها كل ما تتمناه النساء..فكانت دائمة الإعراض عنهم وعن جلساتهم منفردة بمرآتها التي تقاسمها كل ما تريد..فحدث أن أحاطت سريرها بأنواع الشموع وأفخمها..وإذ هي تتأملها غلبها النعاس ونامت ناسية أن تطفئها فسقطت إحداها على شرشف السرير فاشتعلت النيران والتهم اللهيب جسدها محدثا به حروقا بليغة..لكن ربما لسوء حظها أنها بقيت حية تحترق يوميا بكلمات “التشفي” من حولها..فاقتربت من المرآة وهي تلمح وجهها المحترق لأول مرة وقالت لخادمتها بحزن شديد ” الشّفّاية أكثر من العزّاية”..وأصبحت عبارتها تلك مثلا يضرب إلى يومنا هذا..
” الشّفّاية أكثر من العزّاية”..يضرب هذا المثل عند الشعور بوجود من تسره المصائب ويفرح بها مع تمني وقوعها للآخرين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق