الأورس بلوس

الصحبة وقت الشدة

لكل مقام مقال

يقال أن هناك رجل لم يرزقه الله إلا ولد واحد وكان “رايو تالف” كما نقول بالعامية له من الأصدقاء والمعارف ما لا يعد ولا يحصى وكان يفتخر بهم ويعتبرهم زينته وسنده في هذه الدنيا وكانوا يسهرون إلى طلوع الصبح ويتشغالون بأتفه الأمور وسفاسفها، وكان والده يوصيه دائما بالإعراض عنهم فلا فائدة من وجود أشباه أصدقاء بالصداقة تحمل معنى أكبر من الكثرة والمشاركة وقت السعة والاستقرار والفرح لكنه رفض التخلي عنهم على اعتبار أنهم صادقين معه وهم يمثلون بالنسبة له أكثر من إخوة.. فقال له والده لنختبرهم إذن وسأثبت لك أنهم مجرد غثاء فارغ لا جدوى من وجودهم في حياتك وأعلمه أنه في حياته الطويلة ورحلاته وترحاله لم يتخذ إلا صديقا واحدا.. فقال له ابنه اختبرهم.. فانتظر حتى انسدلت أستار الليل وقال له اذهب إلى صديقك فلان وقل له أن أبي قتل روحا فأعني على إخفاء الجثة فهو شيخ كبير ولا يمكنه تحمل مشقة السجن أو الإعدام فذهب إلى صديقه يطلب منه العون فتبرأ منه و أنكره ثم قضى الليل بطوله يطرق أبواب أصدقائه وكل واحد منهم يفعل نفس الشيء وذات الموقف..فعاد إلى أبيه خائبا وأخبره بأنهم رفضوا أن يعينوه، فقال له والده إذهب إلى صديقي الوحيد وأخبره أنني قتلت روحا وهو يسكن في الجهة الفلانية..فسارع الإبن إليه وسأله العون فلم يتردد الرجل لحظة وقال له هيا نخفي الجثة قبل طلوع النهار ودخل على صديقه وقال له أين الجثة فوجدها ملفوفة في فناء المنزل فحملها على ظهره وخرج بها بالقرب من منزله وحفر حفرة كبيرة ودفنها وودع صديقه عائدا إلى منزله.. وما إن طلع النهار حتى شاع في المدينة أن فلان قتل روحا فاستدعى السلطان الشيخ وابنه ليجد هذا الأخير جميع أصدقائه عنده وقد وشوا به وشهدوا ضده، فقال له السلطان هل قتلت روحا فعلا فقال له نعم وقد أعانني على دفنها صديقي فلان فأحضر السلطان صديقه ولكنه أنكره وقال أنه من قتل ودفن وأنه لا يعرفه أبدا..والإبن يتفرج في ذهول وهو يرى “الصداقة الحقيقية” لا الزائفة التي كان يعيشها.. وأمر السلطان بنبش القبر وإحضار الجثة فإذا به مجرد خروف مذبوح ومسلوخ وتفاجأ الجميع إلا الشيخ الذي روى للحاكم كيف أن ابنه يثق في كل من هب ودب ويعتبرهم أصدقاءه ويستأمنهم على أسراره فإذا بهم يخذلونه عند أول اختبار وكيف أن صديقه الصدوق الوحيد سارع إلى نجدته بل وحاول أن يتحمل الجرم عنه فقال السلطان نعم الصديق هو “من تجده وقت الشدة” ومكنه من جائزة مالية معتبرة.. يضرب المثل عندما يلتف حبل المشاكل والكرب على الشخص فلا يجد رغم كثرة الأصدقاء إلى واحدا أو يتم خذلانه في وقت الحاجة الماسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق