إسلاميات

الصدقة أسرار عظيمة وآثار كريمة في الدارين

قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾  [البقرة: 261 – 262].

هل سمعتم بخبر السحابة، التي أُمِرَتْ فأَتت فسقت أرضا معينة لِرجلٍ معين، ثم ولَّت دون أن تسقيَ غيرَه؟ جاء في صحيح مسلمٍ مِن حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ [يعني: في أرضٍ ذات حجارةٍ سُودٍ كثيرة] فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ [منزلق لسيل الماء] قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ [يريد أن يعرف نهايته إلى أين]، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ [يُرتِّب دخول الماء إلى أرضه بآلته!]، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟! قَالَ: فُلَانٌ – لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ – فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟! قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا؛ فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ”.

إنها عجائب الصدقة وما أدراكم ما الصدقة منبع البركة، جالبة النعمة، دافعة النقمة، إنها التجارة التي لا تحتمل الخسارة، أرباحُها لا تعرف إلا الزيادة لأنها مع الله الكريم العظيم سبحانه، أقل نِسبة تخرج بها مِن هذه التجارة؛ هي سبعُون ألفا في المائة من الأرباح الخالصة.. نعم ألم تسمع قول الله سبحانه: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؟ [البقرة: 261 – 262].

والصدقة لها من الأسرار العظيمة والآثار الكريمة الكثير فهي مُنَمِّيةُ الأرزاق ومُكثِّرةُ الخيرات ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].

هذه الصدقة: هي التي تُكفر لغو البيع والتجارة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ وَاللَّغْوُ؛ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ” أي امزجوه بالصدقة. رواه النَّسائي وصححه الألباني.

هذه الصدقة: هي التي تُطفئ نارَ الخطيئة، وما أكثرَ خطايانا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ” رواه الترمذي وغيرُه، وصححه الألباني.

لا يزال العبد في حلم الله سبحانه مادام يتصدق في سِرّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صدقة السِّر تُطفئ غَضبَ الرب، وصِلةُ الرَّحِم تزيد في العُمر، وفِعلُ المَعروف يَقي مَصارعَ السوء” رواه الطبراني وحسّنه الألباني.

والصدقة باب لحياتك بعد موتك؛ كيف ذلك؟ بأن تكون أعمالُك الصالحة مستمرة جارية، وأنت تحت الأرض مقطوع عن العمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ” رواه مسلم. ولذا هي أوَّلُ ما يتمناه العبد بعدَ مماته لو رجع إلى حياته ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10].

والصدقة تقيك النار، ولو كانت أقلَّ مِن دينار يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ” أي: بنِصف تمرة رواه البخاري ومسلم.

ومِن عجيب الأخبار في هذا الباب، ما روته أمُّنا عائشةُ -رضي الله عنها- قالت: “جاءتْني مسكينةٌ تحمِلُ ابْنتَينِ لها، فأطعَمْتُها ثلاثَ تمراتٍ فأَعطَتْ كلَّ واحدةٍ منهما تمرة، ورَفَعَتْ [الأمُّ] إلى فِيها تمرةً لِتأكُلها، فاسْتَطعَمَتْها ابنتاها، فشَقَّتْ التمرةَ التي كانت تريدُ أن تأكُلَها بينهما، فأعجبني شأنُها فذكرتُ الذي صَنَعَتْ لِرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “إنَّ اللهَ قد أوْجَبَ لها بها الجنةَ، أو أَعتَقَها بِها مِن النار” رواه مسلم.

ولذا قال صلى الله عليه وسلم: “مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ” رواه مسلم فلا يمكن أن ينقص المال بسبب الصدقة بل يزيد.. ويكفيك، أن ملائكةَ الرَّحمن؛ تؤيِّدك بالدعاء منذ الصباح قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا” رواه البخاري ومسلم.

وإذا خَرَجَت منك هذه النفقة؛ فقد وَجَبَت لك الـمُعاوضة، ولكن على أضعافٍ مضاعفة، لأنك تتعامل مع الكريم سبحانه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] وتأمّل هذه العبارة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ كأنك أنت المُقرِض واللهُ هو الآخِذ..

ولذا قرأنا لبعض السلف أنه كان يُعطِّرُ دراهمه قبل أن يتصدَّق يقول: لأنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقيريعني ثوابها. وهذا مِن كمال الفهم وجمال الأدب مع الربِّ تبارك وتعالى.. ومَن عاش بهذا الفهم كان كحال القائل: “لو عَلِمَ المُتصدِّق ما لَه عند الله؛ لكانت سعادةُ المُعطي أكثرَ من سعادة الآخذ”، لأنه في الحقيقة إنما ينفعُ نَفسَه، يقول الحقُّ سبحانه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272].

الزبير بن مبارك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق