إسلاميات

الصيام ..وتجنيد الجوارح الخارجية والباطنية في جهاد النفس

قال رسول صلى الله عليه وسلم: “إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وان امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم”.

روي عن سلمان الفارسي أنه قال : خطبنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في آخر يوم من شعبان موجها نداءه العام وتعاليمه لأمة الإسلام وجماعة التوحيد في كل زمان ومكان قائلا:

” يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر..جعل الله صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتقا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا”.

قالوا : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم عليه؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو على شربة ماء، أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غناء بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غناء بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة”.

فلو تأملنا هذا الحديث الجامع لوجدنا أنه يبرز لنا بتعاليم تكمن في حياة الفرد، وتقوى ثقته فيه وهذه القوة لها ما يرادفها لكي تعدل من سلوك الفرد ونظامه، سواء مع نفسه أو مع ربه أو مع غيره في المعاملات الدنيوية.

وهو أن الإسلام قوة وجهاد وكفاح وثبات وصبر وعزيمة وإصرار وعبادة، وقنوت، وكل ما يخالف ذلك لم يرض به الإسلام، ولم يناد به لأنه لا يتماشي وطبيعة الدين الإسلامي، والذي فيه تعاون البعض مع البعض في إطار من المحبة والإخاء، وبسط يد الحنان والرحمة والتعاون حتى يصبح المجتمع كلا لا يتجزأ.

هذا هو جهاد النفس، وهذا هو الصيام بمعناه العام وهو الاعتراف بنعمة الله تعالى على خلقه، حينما يختبرهم بوقت بسيط محدد لكي يخفضوا جناح الرحمة لبني جنسهم.

وإذا كان الصيام يستلزم منا الإمساك عن شهوتي الأكل والشرب فليس هذا هو المقصود لقبوله كما ورد في الحديث “رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”، بل إنه قتل لجميع الشهوات التي تحرك الإنسان كالقوة والتهور، والغرور والغضب والأنانية، والعلو على الغير بغير حق.

هذه مرتبة من المراتب التي يجب على الصائم أن يلتزم بها ويتأدب بآداب الصوم، وأن يجند جميع جوارحه الباطنية والخارجية حتى يصير المسلم مسلما حقا.

فعلى المسلم أن يمسك يده عن الإيذاء والتعدي وتناول المحرمات وأن يجند رجله ويصونها عن المشي والسعي في الإفساد والتخريب، وكل ما يغضب الله، وأن يمسك لسانه عن اللغو والإيقاع بين الناس والغيبة والنميمة وإفشاء الأسرار سواء كانت تمس حياة الأفراد مع بعضهم أو تمس حياة الأمة وحياة الوطن باعتبار الإنسان لبنة حية في وجوده.

وبالجملة، فعلى الإنسان صون الجوارح كلها عن إتيان المحرمات، وفي ذلك يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وان امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم”.

لقد صامت امرأتان على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تستأذناه في الإفطار، فأرسل إليهما قدحا وقال صلى الله عليه وسلم: قل لهما قيئا فيه ما أكلتما، فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا، وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه، فعجب الناس من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: هاتان صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما، قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تغتابان الناس، فهذا ما أكلتاه من لحومهم.

ثم تأتي مرتبة الصفاء والنقاء وهو صوم القلوب وصونها عن الأمور التي لا تليق بجوانب الدين الإسلامي والتي لا تناسب إيمان المرء ولا تلائم الإخلاص، فالتفكير في ارتكاب الخطايا وتدبير الفتن والمؤامرات يبطل الصيام والتوجه والتوسل والخضوع لغير الله وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتهاون في إقامة حدود الله وتطبيق ميزان العدل والإهمال في أموال المسلمين وعدم التوفيق بين المتخاصمين والسكوت عن الفواحش صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها.. كل ذلك ينقص من أجر الصائم إن لم يبطله.

فالصوم كفاح وجهاد مستمر يكون المسلم فيه في حياة روحانية ربانية صافية قائما لربه، قانتا لمولاه معترفا بنعمة ربه عليه، خالصا لله؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي تكفل بإعطاء الأمر والجزاء لأنها حالة منفردة بين الإنسان وربه لا يشاركه فيها مخلوق وهي أيضا خالية من الرياء والمباهاة حينما يختلي الإنسان بينه وبين نفسه فيزداد تمسكا وصبرا وثباتا لكي يقضي يومه في صلاة وقراءة وجهاد في الحياة، وليله في العبادة الخالصة لله.

وهو في كل ذلك يردد بينه وبين نفسه : “اللهم لك صمت” كما جاء في الحديث القدسي : “يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها”.

وعلى الصائم أن يدعو ربه دائما ويسأله في هذا الشهر الكريم كما ورد في مسند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول بعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”.

ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه”.

فعلينا أن نجند أنفسنا لخدمة هذا الدين لأننا مسؤولين عنه مسؤولية كاملة أمام الله وصدق الله حيث يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

عبد الستار حسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق