وطني

العالم يرفع القبعة عاليا للجزائر شعبا وسلطة

قدموا درسا رفيع المستوى في الديمقراطية والتحضر

تحولت صورة الجزائر عبر منابر العالم إلى “إيقونة” دولية في البناء الديمقراطي عبر عديد صور النضج، والحس المدني للشارع الذي ظل لعقود مستقيلا من التعاطي السياسي، وعبر مشاهد نادرة من روح التلاحم بين أبناء الوطن الواحد، جسدتها شعارات التآخي وصور الوعي الحضاري التي قابلتها السلطة بفتح باب الحوار والإنصات للمطالب تحت عنوان “شعب يطالب وسلطة تستجيب..”

لثالث أسبوع يتحرك الشارع الجزائري في انسجام وتلاحم شعبي مفعم بالديمقراطية والسلمية رافعا لمطالب سياسية جعلت من بلدان العالم، وعلى رأسها القوى العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا يرفعون القبعة عاليا لهذا الحراك السلمي الذي تحوّل إلى أعراس ديمقراطية من حيث النضال السلمي الذي يؤول في نهاية المطاف إلى مكتسبات حقيقية في البناء الديمقراطي الجاد، بعيدا عن سياسات الإقصاء والتهميش، وكذا مظاهر الانفراد بالسلطة، مثلما يجري لدى دول كثيرة في قارات العالم لم تتنزع شعوبها بعد حق تقرير المصير في كنف الهدوء والاستقرار.
من وسط العاصمة إلى مختلف ساحات الولايات شرقا وغربا وجنوبا صنع الجزائريون ملاحما نضالية هدفها الأول والأخير الغيرة على الوطن، وهو ما أحسنت السلطة قراءته على السريع فتماهت مع مطالب الشارع بإحداث التغيير وسارعت إليه قولا وفعلا بسحب “الخامسة” من الأجندة وتدوين بدلا عنها ندوة وطنية شاملة يعقبها انتخابات رئاسية يكون الفاصل فيها الصندوق وصوت الشعب مصدر كل السلط في البلاد.
وتوارت وجوه سياسية لم تعد تحظى بالثقة الشعبية لتخلفها وجوه جديدة تمثلت بداية في شخصيتين القاسم المشترك بينهما هو عدم التحزب للوزير الأول الجديد نور الدين بدوي، ونائبه وزير الخارجية رمطان لعمامرة في انتظار تقديم أعضاء الحكومة المرتقبة والتي تتقاطع بحسب مصادر عديدة في كونها حكومة “وفاق” تتشكل في غالبيتها من كفاءات تكنوقراط لإعداد أرضية الندوة الجامعة، وغيرها من النقاط التي أوردها رئيس الجمهورية في شكل وعود قطعها مع الشعب وليس مع الطبقة السياسية فور عودته من الرحلة العلاجية التي قادته إلى جنيف بسويسرا، وحصرها في نطاق زمني لا يتعدى السنة الواحدة تكون بحق إعلان ميلاد الجمهورية الثانية.
وعزّز موقف المؤسسة العسكرية مما يجري في الشارع السياسي من أرضية الوصول إلى توافق يجمع شمل كافة الجزائريين حول بناء وطنهم دونما إقصاء أو تفاضل بين أبناء البلد الواحد.
وباعتراف أممي أشاد قادة المجموعة الدولية بالحراك الجزائري، وبرد فعل السلطات بداية من باريس التي قال وزيرها للخارجية جون ايف لودريان أن الجزائريين قادرون على تجاوز المرحلة وأن فرنسا تتابع باهتمام الأحداث لكنها تحترم إرادة جميع الجزائريين في اختيار رؤسائهم. وجاءت التصريحات الفرنسية الثانية المرحبة بقرارات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة انسحابه من سباق الرئاسيات وتأجيل موعدها إلى جانب إطلاق حزمة من الإصلاحات الفورية، وهو ما دعمته فرنسا من منطلق تصريح دولة يعنيها مباشرة الاستقرار في الجوار قبل أن وضع التصريح في خانة التعليق تجاه الأحداث العالمية، ونفس العبارات تقاطعت مع تصريحات الولايات المتحدة الأمريكية التي دعت إلى احترام حق التظاهر السلمي للمواطنين وتثمين قرارات الرئيس وتعاطي الحكومة السلس مع حراك الشارع، وهي نفس اللهجة التي تبناها موقف الاتحاد الأوروبي الذي بدأ ينتقي مفردات في تعليقاته تتسم بالهدوء، والثقة حيال الحراك الجزائري.
بالنسبة للمجموعة الإقليمية فقد انتزع الجزائريون أشدّ عبارات التقدير والعرفان من حيث سلمية الحراك ومشاهد التآخي والسلمية التي سادته على مدار الأسابيع الثلاثة المنقضية، وحول تعامل السلطة التي يرى فيها البعض أنها قدمت حدا مقبولا ومحترما من التنازلات وأن على الجزائريين الذين أبهروا العالم في كل مرة الذهاب إلى حوار جامع من شأنه أن يقدم درسا ديمقراطيا جديدا للجميع، وتفويت الفرصة على جهات لم يعجبها حتما مشهد الجزائر الحالي.

عبد الرحمان ش

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق