العمود

العتروس الملال

وجب الكلام

من أكثر القصص الشعبية طرافة والتي يتم تداولها في منطقة ما من مناطق الأوراس أن ثلاثة أشخاص ينحدرون من قرية ما امتهنوا “سرقة الماشية”، وحدث مرة أن قرروا السطو على زريبة بقرية أخرى، وعندما وصلوا ليلا وجدوا أن بالقرية عرسا فعلموا أن الأمر بات صعبا بسبب كثرة الحركة، إلا أنهم اهتدوا إلى حيلة ما، فتنكر اثنين منهم في زي “رحابة” للتمويه والإلهاء بينما ذهب الثالث ليخرج ما هو موجود في الزريبة من خراف وماعز وإبعادها عن المنطقة إلى حين لحاق الاثنين به إلى منطقة تم الاتفاق عليها مسبقا.
ما هو معروف في الرحابة وهي فرقة فلكلورية شاوية أن كلمات الأغاني عادة ما لا يتم فهمها، وما يتم التغطية به عن ذلك هو “صوت البندير” وكذا “القصبة” في بعض الأحيان، لذلك فقد اعتمد الثنائي المحتال على إمتاع الحاضرين بصوت البندير بينما كان الكلام موجها “للسارق الثالث” فقد كانا يوجهانه بالأغاني ويخبرانه بالمستجدات كي يحتاط، حتى انتبه أحد الحضور إلى أن في الأمر شيئا مريبا فسارع إلى وضع يده بين “البندير ويد السارق” المحتال الذي تقمص دور “البنادري”، وفي اللحظة التي توقف فيها صوت “البندير” قال السارق الذي تقمص دور المغني ” العتروس الملال لا تخلفو”، بمعنى “لا تنس التيس الأبيض”، حينها انكشفت حقيقتهما وألقي القبض عليهما وفر”الثالث”.
تذكرت هذه القصة وأنا أتابع حصة على إحدى القنوات الجزائرية أين تمت استضافة “نائب بالبرلمان” ممثلة لحزب لطالما عرف بممارسة الشعبوية والبربرة، هذه النائب وفي خضم ما كانت تبربر به قالت وهي توجه كلامها لوزير المالية ” انت واش دخلك في 2020″ معاتبة إياه على الإجراءات التي تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2020، ثم أضافت قائلة “علاه انت معول تقعد حتى 2020″؟
لم يزعجني كلام “النائب” كثيرا، لأنني اكتشفت منذ مدة بأنها لا تجيد سوى ركوب الأمواج ووبأنها محترفة في استعطاف الشعب أو بالأحرى إغرائه واستمالته “بالبربرة والعياط” فلم أستغرب أن تمارس نفس الدور هذه المرة وتعتمد على نفس الأسلوب الذي زرعت به “البسمة” على وجوه الكثير من “ذوي الحس المرهف”، بل إن ما أزعجني هو أن الكثير من المعلقين قد نصبوها “افتراضيا” “جان دارك” زمانها وقائدة لجيش من المغفلين الذين شكروا سعيها وباركوا “بربرتها” وقالوا أنها على حق، وهنا اكتشفت أن الضحك على أذقان الكثير من الجزائريين بات سهلا، واستغباؤهم بات أمرا يسيرا على كل شخص يتقن “البربرة” والصياح والتحدث بما لا يفقه، فلو تفطن شخص ليضع عقله بين “البربرة” والمنطق لاستطاع أن يدرك بأن الواقع يقول أن مشروع قانون المالية يعد قبل نهاية السنة، أي قبل 2020، وأن الوزير إن صرح بشيء فلأنه مسؤول عن وزارة مكلفة بإعداد مشروع قانون سيطبق على المدى البعيد أي مشروع قانون صالح لما بعد الانتخابات، ولا علاقة للإجراءات التي تأتي في القانون ببقاء الوزير أو رحيله ولا علاقة للإجراءات بالرئاسيات ولا بالتشريعيات، وهنا حضرتني كلمة “العتروس الملال”، فلو أن الكثير ممن وافقوا “النائب” في طرحها قد أنصتوا لصوت العقل والمنطق لا للبربرة لتأكدوا أن النائب لا تختلف عمن كان “يقول العتروس الملال” في شيء، فكلاهما يعتمد على “الصخب و إحداث الضجة” كوسيلة للإلهاء والاستغباء ووسيلة لصرف النظر عن المنطق والحقيقة، ودائما من أجل الوصول إلى “غاية ما”.
حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق