إسلاميات

العدالة والخيرية في منهج الإسلام الحضاري

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ سورة البقرة الآية 143

الوسطية من المصطلحات التي كثر الخوض في معناها، ودخل فيها من المعاني الدخيلة، والفلسفاتِ الغريبة، والتصوراتِ البعيدة عن حقيقة ديننا – الشيءُ الكثير، خصوصا من أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ويريدون بالأمة الويل والثبور، وهم يعلمون – علم اليقين – أن عزَّنا ومجدنا، وكرامتنا وسؤددنا، يكمن في تمسُّكنا بهذا الدين، كيف لا؟ ولب الأمر فيه قائمٌ على طاعة الله -تعالى- والبحث عن رضوانه، فإذا تحقق هذا، لا شك ولا ريب سيكون عنوانَ مجد، وسبيل كرامة، وطريق حرية.

وأعداء الأمة لا يريدون لها التمكين والنصر؛ لذا يعملون على إبعاد هذه الأمة عن هذا المنهج، بكل ما أُوتوا من قوة؛ لأنه سبيل من سبل بقاء مصالحهم، واستمرار سيطرتهم على هذه الأمة.

ومن الأساليب التي يعتمدونها من أجل تحقيق هذا الغرض: محاولةُ تشويه المفاهيم الإسلامية؛ حتى يحرفوا العربة عن مسارها الصحيح، وإن كان باسم الإسلام، وتحرير فهمه على الأصول التي ينبغي أن يفهم على ضوئها.

وحصل أن اختلف علماؤنا الأفاضل، ومفكرونا الأكابر في تحديد معنى الوسطية، وكان هذا سبيلاً من سبل الولوج إلى التحريف في المعنى من قِبَل أولئك المتربِّصين، الذين يريدون بالأمة الويل، والذين اعتادوا على لَيِّ أعناق النصوص، وقراءتها بطريقةٍ ظاهرُها فيه الثقافة والمعرفة، وباطنُها الويل والثبور.

وزاد الطين بِلَّة أن دخل على الخطِّ ذلك الصنفُ المغالي، الذي أعطى صورة عن المسألة، ملؤها الانغلاق والسوداوية، فبرزت بمعنًى شائهٍ ومنفِّر، لا يمت إلى الفهم الصحيح بصلة، وهذا ما جعل الأمر أكثر تعقيدًا.

فهناك من يفهم الوسطية على أنها التحلل من تكاليف الشريعة، والتنصل من أحكامها، والتمرد على قيمها، ومن ثَم التفلت منها، ولا يريدون من الوسطية إلا هذا، وأي التزام صادق بالإسلام إنما هو “غلو وتطرف”.

يقول الأستاذ فريد عبدالقادر في كتابه الوسطية: “وقد شاع كذلك عند كثير من الناس استعمال هذا الاصطلاح الرباني، استعمالا فضفاضا يلبس أي وضع أو عرف أو مسلك أرادوه، حتى أصبحت الوسطية في مفهومهم تعني التساهل والتنازل”.

وقد قال الله- تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] قال العلماء: أي عدلا خيارا.

فالوسطية تعني: العدالة والخيرية، في منهج الإسلام الحضاري الذي يقوم على التوازن؛ فهي خاصية الإسلام بالعدل؛ عدل على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والدولة، والأمة، والإنسانية؛ إذ كل امرئ إذا ما انتظم في دين الله، والتزم بكتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – كان متوازنا عدلا، بعيدا عن الإفراط والتفريط، والغلو والتطرف، ينهج نهج التيسير والبشرى، ويمضي على طريق العمل الصالح، والصراط المستقيم، وهذا التعريف بالنتيجة.

قال العلامة السعدي في تفسيره: “أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين”.

فالوسطية التزام بدين الله، من خلال فهم سليم وصحيح، ينتج كل خير وسؤدد وتوازن، وهي حالة حضارية، قوامها الربانية وطاعة الله تعالى.

حضارية وسطية لا تؤمن بالعدوان ولا تريده، بل تخاصمه وتعاديه، لا تريد العدوان على النفس، ولا الأهل، ولا الجار، ولا الحاكم، ولا المحكوم، ولا المسلم، ولا غير المسلم، ولا البيئة، ولا الحيوان… ولا… ولا… إلخ.

تعيش الواقع، وتلاحظ التطور، وتتفاعل مع المستجد، من خلال الأصول والثوابت، والذي لا يفقه واقعه، لا يستحق أن يكون من صناع الحياة، ولا يمكن له أن يكون من مدرسة التجديد، ولا يوصف بصفة العلم؛ لأنه فقد شرطا من شروطه الأساسية.

وسطية تؤمن بإعطاء كل ذي حق حقَّه، وتشيع روح الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار، والحرية والعدالة، وقيم الحسن والجمال، بفقه مقاصدي راق، ورقي يقدر حالات وأوضاع النواتج والمآلات، ويجيد ترتيب الأولويات، ويترك باب الاجتهاد مفتوحًا بضوابطه وأصوله لأهله، والمستكملين لشرائطه، والمالكين لأدواته، ولا يجعل الاجتهاد لمن هب ودب؛ حتى تتوازن الأمور، وينضبط السير، وينتفي الاضطراب.

د. عامر البوسلامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق