العمود

العرب في القاعات الأميركية المظلمة

التفكير بصوت عال

يقول الفيلسوف سلافوي زيزاك S. Zizek: إن السنما هي الفن المنحرف بامتياز؛ فهي لا تمنحك ما ترغب فيه، بل تخبرك عن كيفية الرغبة وكفى.

ينتج عن هذا الوضع أن السنما فن يعكس صورة الفنون كما توارثناها، فبدلا من تصوير الحياة والإنسان والعالم المحيط بنا، وبدلا من العمل كما تفعل الأنشطة البشرية الأخرى جميعا على تحسين الظرف البشري نجدها تقوم ببرمجة المشاهدين من أجل رؤية العالم بشكل دون شكل آخر، من أجل تكوين رؤية للعالم غالبا ما تجانب الحقيقة تحت العنوان الفني الشهير الذي يقتضي أن نبتعد عن تصوير الحقيقة بحثا عن الرمزية والمجاز وما وراء السطوح، ولكن سؤالا يطرح نفسه هنا: هل الابتعاد عن الواقع حيلة فنية أم عقيدة جمالية لا حياد عنها؟.

يبدو أن القائمين على السنما – وجلهم من أفق تجاري تسييري لا صلة له بالفن أصلا- أصبحوا يصرون إصرارا كبيرا على مجانبة الواقع، على تحويل الرمزية إلى هدف جوهري لا إلى حيلة استيطيقية تهدف إلى تقديم صورة عن العالم؛ لا صورة انتقادية ولا صورة تهليلية مما يشيع في ثقافة البروباغاندا المرتبطة بالسنما منذ حداثة أظافرها…(هل للسنما اظافر؟…نعم، إذ يكفي ان ينطلق البث وتهيمن الصور…فالصور قطعا تعرف الحقيقة أكثر مما يعرفها الواقع).

لقد أصبحت عملية التشويه التي تعرض لها صورة العربي والمسلم في السنما الأميريكية تحديدا والعالمية عموما تثير الانتباه، خصوصا في ظل مجيء جيل متابع  للسنما ولد وعاش في الغرب، جيل متجنس بجنسيات غربية لا معرفة له بالعربية ولا بمحددات الدين الإسلامي، إلا ما يمكن إدراجه ضمن فضلة المعرفة التي يشترك فيها الجميع والتي لا تشكل قيمة مضافة عند أي شخص.

استوقفنا نموذج غريب لاستحضار الثقافة العربية في السنما من خلال اقتباس رواية فرانك هيربرت  F.Herbert  ذائعة الصيت “هضبة” Duneوالتي اقتبسها سنمائيا المخرج الكبير ديفيد لينتش D. Lynchصاحب التجارب البصرية المعروفة من خلال أفلامه التي لاقت جمهورها واستحوذت على تعليقات النقاد.. إن قارئ رواية فرانك هيربرت يجدها تعج بالتسميات والسياقات المحيلة مباشرة على المشرق؛ على اللغة العربية وعلى التاريخ الإسلامي وعلى سياقات الثقافة الشرقية، ففي مستقل بعيد تصبح الحرب الكونية على المصدر الجديد للطاقة الحيوية والضامن الرئيسي لاستمرار الحياة البشرية: التوابل… مستقبل البشرية منوط بالسيطرة على التوابل. إنه محدد شرقي واضح منذ البداية. مستقبل يبتّ صلاته تماما مع الغرب والعالم المتقدم، فالأدروات الأساسية للتنقل هي الحيوانات والدواب، والديكور الأساسي الذي تسير فيه احداث الرواية هو ديكور صحراوي رغم انه مستقبلي، جاف وعدواني يذكر بتصور الغرب عموما للمشرق كفضاء فارغ تمام الفراغ من كل خصوبة، ولكنه يبقى فضاء روائيا ايجابيا رغم كل ذلك. فضاء يصبح فيه الكوكب المدعو “الهضبة” مركزا لأطماع المجرة، وهو كوكب معادٍ عداء شديدا – على غرار أهم من هم في المجرة من بشر-  لنظام الرجال الآليين والحواسيب والآلات، ذلك النظام الذي انتهى إلى ما يسميه الروائي “الجهاد الشامل”- الملصطلح هكذا في الصيغة الانغليزية- ، كوكب يحيل على الصحراء ويزود العالم بما يستخرج من باطن الرمال: التوابل…في تشكيلة كونية فيديرالية يحكمها امبراطور يسمى “صدام الرابع”.

القصة تحتفي بالعلم النوراني، بالحدس والفراسة العربية والعلم الحاصل من تلقاء نفسه. بطل القصة بول آترييد (تراه الطريد؟ لأنه مخفي دائما من قبل أمه خوفا عليه لأنه جاء في زمن بلا ذكور) يطور بالتأمل وبالرياضة قوى خارقة وحدسا بعيد المدى لمواجهة الأعداء، ثم ينزل على اهل الهضبة الذين ينتظرون مسيحا مخلصا يخلصهم يسمونه Mahdi (المهدي المنتظر)، والذي يحل عليهم آتيا من كوكب اسمه “كلدان” بلقب “المؤدب” متزوجا بإحدى بناتهم المدعوة “شاهاني” ابنة رجل اسمه “سيدنا” وامراة اسمها “تبر”…(الأسماء كلها هكذا في النسخة الانغليزية).

لكأنها قصة طريق التوابل موضوعة في المستقبل الذي تجاوز مرحلة الانسان التكنولوجي. ولكنها قصة الأبطال فيها يحملون أسماء: بني قسريط، البيت الكلداني، ظفير الحوات، قرني الحالك، دون اغفال أن البطلين الأساسيين اسمهما جيسيكا وبول وللاسمين حمولة مشرقية قوية، فالأول اسم أخت النبي ابراهيم المذكورة في العهد القديم، والثاني هو اسم الحواري الشهير الذي أعطى المسيحية كتابها الكبير، إلا أننا لن نستغل هتين النقطتين كثيرا ولن نقف عندهما كثيرا بسبب دلالتهما الحالية على الثقافة الغربية (وتحليلنا يتقصى التمثلات الحالية للعربي وللثقافة العربية في السنما الغربية) …ثم تأتي الألقاب الرفيعة فتسمى: النائب، والمؤدب…

كل هذه الألفاظ العربية، وغيرها كثير، أوردها المؤلف بهذا الشكل ومن دون تحريف سوى القليل الذي يسمح للقارئ الغربي بنطق هذه التسميات العربية المشرقية دون عسر. وهي كلها ألفاظ أوردها فرانك هيربرت لتسيير عمله الخيالي العلمي، ولرسم ملامح مستقبل أراده هو نفسه بهذا الشكل المحدد، واختيارات كاتب بحجم فرانك هيربرت لا يمكننا أن نربطها بالصدفة، فكل المواد التخييلية مقصودة ومفكر في أمرها ونابعة بالضرورة من استرتيجية كتابية لا بد أنها حاملة لقيمة مضافة.

الملاحظ على الفلم الذي أخرجه ديفيد لينتش عام 1984 هو إفراغه من كل محتوى جمالي مرتبط بالثقافة التي أصر عليها المؤلف عشرين سنة قبل ذلك التاريخ، فالجانب البصري الذي هو نقطة امتياز ديفيد لينتش في السنما كان مصرا على استبعاد كل إشارة للثقافة التي قصد إليها الروائي والتي ارتبط بها القراء على امتداد الرواية الأم وتكملاتها الأربع الشهيرة (سلسلة رواية “ديون” تحوي خمسة اجزاء)…وهذا في عرف كثير من المعلقين هو سبب فشل الفلم الذريع نقديا وجماهيريا. إذ كان المنطقي هو تعويض ما نراه من ألوان وملابس وديكورات وأصوات تحيل كثيرا على ثقافة البنك punk الهامشية  بعناصر بصرية تتماشى مع الصحراء والرمال، وموسيقى الصحراء ذات الايقاعات البطيئة والجمل الموسيقية المديدة، بدلا من الايقاعات السريعة التي تتماشى مع ظرف المرحلة (الثمانينات كانت مرحلة الديسكو والايقاعات الراقصة السريعة والموسيقى الالكترونية) والتي فيها خيانة جمالية واضحة.

أجمعت كل التعليقات على أن الفلم مثل خيانة للرواية مختزلا روحها المشرقية الصوفية التأملية العرفانية إلى لقطات تحيل على جماليات الفلم الذي كان منذ سنوات قليلة قد طبع جماليات الخليال العلمي إلى غير رجعة ” حرب النجوم”…خيانة جمالية بخلفية إيديولوجية واضحة تجعلنا نربط هذا التهميش العمدي للثقافة العربية في اقتباس لرواية تحتفي بالمخيال المشرقي احتقاء ظاهرا. يربط المعلقون بين هذا التوجه القوي وبين مجموعة من الظروف السياسية والاستراتيجية التي كانت قد حددت العلاقات بين اميركا من جهة، والعرب والمسلمين من الجهة المقابلة، بشكل شديد التشنج، وهي كلها حاصلة بين تاريخ تأليف الرواية 1965 وتاريخ اقتباسها سينمائيا 1985؛ والمقصود حربا 1967و 1973 بين العرب والحليفة العتيقة لأميركا: إسرائيل، ثم أزمة البترول وانتهاء احتجاز الرهائن الأميركان من قبل الثورة الايرانية .

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق