تحقيقات

العطل المرضية: بين “البزنسة” والاحتيال

الإمبراطورية الصغرى تكبر.. "بين الغيابات المبررة والشهادات المزورة"

لعل فكرة التحقيق في تزوير وبيع وشراء الشهادات الطبية انطلقت من أعلى الهرم في السلطة، بعد توقيع طبيب رئيس الجمهورية السابق على شهادة طبية تؤكد وتصرح بقدرة وأهلية الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة في تولي زمام السلطة لعهدة خامسة، داعما بذلك برامج الفساد والاستمرارية في نهب وسرقة خيرات البلاد ممن يسمون الآن بعصابة النظام.

من هنا كانت البداية في فتح هذا التحقيق، قبل أن نتوصل إلى أن البعض انطلاقا من أبسط عامل في سلك الوظيف العمومي هو الآخر، والذي يخرج مناديا خلال كل مسيرة سلمية نهاية الأسبوع بشعار “كليتو البلاد يالسراقين”، سارق هو الآخر ومزور وتاجر محترف في بيع وشراء الشهادات الطبية الخاصة بالعمل “المالادي”، الذي أصبح عنوانا للعطل المرضية بسبب أو دونه، وهكذا تم “تقنين” الغياب والعطل بطرق ملتوية خلفت وراءها خسائر مالية باهظة تدفعها الدولة كل عام لاستدراك هذه الثغرات “العمالية”.

 

المستفيدون بين التقارير والتزوير..

عند الانطلاق في هذا التحقيق، كشف عدد من الأطباء (الذين رفضوا ذكر أسمائهم) إلى جانب عدد من المسؤولين أيضا (في القطاع الصحي)، أن الطبيب ملزم بالقسم الذي يؤديه أثناء انطلاق مهمته النبيلة، لكن الواقع الذي لامسناه خلال الحديث مع عدد من “المستفيدين”، يثبت أن العديد منهم، لا زالوا يقعون ضحايا وعود وقرابة وحتى أموال مقابل التدخل لإثبات مرض أحدهم أو التحايل حول القانون للخروج إلى النتيجة التي يريدها المستفيد.

 

شهادات طبية ثم عطل ومناورات وتلاعبات بالقانون..

لعل دعوة المجلس الوطني لعمادة الأطباء الجزائريين، شهر مارس المنصرم في بيان أصدره يطالب فيه بضرورة احترام القواعد الوطنية والعالمية لأخلاقيات المهنة الطبية الواجبة في تحرير الشهادات الخاصة بالمترشحين للرئاسيات، خير دليل أن هناك تلاعبات وتجاوزات خطيرة، كانت تحدث في الخفاء وبرزت مؤخرا إلى العلن بعد الشهادة الطبية التي تم تحريرها للرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة والتي تكشف أهليته الكاملة في تولي منصب رئاسة الجمهورية بالرغم من وضعيته الصحية الحرجة التي يعرفها العام والخاص، وإذا كانت هذه السلوكيات منتهجة من أعلى الهرم في الدولة، فليس غريبا أن يسير العامة على ذات المنهاج، خاصة في الإدارات العمومية والخاصة على حد سواء، للعمال في جميع القطاعات المختلفة، خاصة منهم الأساتذة الذين اكتسحوا كل الأرقام وسجلوا طفرة نوعية في العطل المرضية بسبب أو بدونه.

إحدى أستاذات التعليم المتوسط، التي رفضت نهائيا ذكر اسمها في هذا الموضوع، أبت إلا أن تطلعنا بواقع العطل المرضية التي استفادت منها طيلة سيرتها العملية والتي بلغت نحو 14 سنة من التدريس، حيث كشفت أنها تستفيد أحيانا من عطلة تصل إلى ثلاثة أشهر في السنة بالإضافة إلى العطل الصيفية الرسمية، فهي تعمد –حسب قولها-، إلى اللجوء للحمل خلال الأشهر الخاصة بالدراسة وذلك لتستفيد من عطلة الأمومة والمرض، وذلك تقريبا منذ سنوات، لتصبح أما لستة أطفال، تتداول على تربيتهم رفقة والدهم، وقالت في ذات السياق، أنها تلقى سهولة في الحصول على هذه العطل، سواء بشكل قانوني او من الناحية الصحية، في حين تتقاضى راتبها بشكل عادي جدا رغم أنها لا تدرس أحيانا سوى أربعة أشهر في السنة، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل هؤلاء الأطفال، ثم الرقابة التي تفرضها المصالح المعنية بخصوص المستفيدين من العطل ومدى نجاعتها ودقتها.

 

وأطباء متواطؤون..

لا يمكن للمستفيد أن يحصل على إجازة مرضية دون تدخل الطبيب، سواء كان عاما، خاصا، أو مكلفا لدى الهيئات المعنية، كما لا يمكن للعطلة أن تتحقق دون أن تستوفي الشروط اللازمة، ومن ابرز هذه الشروط أن يكون موضوع الشهادة إثبات عاهة أو عجز أو مرض، ولكن الملاحظ في الواقع الجزائري، أن العديد من الأطباء يلجؤون لتقديم هذه الشهادات بطرق ملتوية عديدة، سواء للمجاملة أو الوساطة أو عن طريق المتاجرة، وهي أخطر السلوكات التي يمكن أن تنجر عنها لاحقا، أحداث خطيرة من شأنها تغيير السياق العام للمجتمع، فالفساد والبيروقراطية اللذان نخرا معظم أجهزة الدولة وقطاعاتها، تفشى بشكل سريع ورهيب في ابسط الإدارات والمؤسسات، ولعل الضمير المهني أصبح يوضع جانبا عندما يتعلق الأمر بالأموال والمكاسب، ورغم أن العديد من الأطباء الذين صادفناهم نفوا تماما أي علاقة لهم في المتاجرة بالشهادات -على اختلاف أهدافها وأنواعها-، غير أن الواقع يفرض نفسه وبقوة باعتراف العديد من المواطنين الذين استفادوا من هكذا معاملات، وهو ما يهدد مصداقية العشرات من الأطباء لو تم تطبيق القانون وفتح تحقيق في مثل هذه القضايا.

 

قوانين ردعية.. لا عين رأت ولا أذن سمعت..

كشف مدير المكتب الولائي، للصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الأجراء باتنة، أن المؤسسة تعمل على ممارسة الرقابة الصحية على المستفيد من العطل المرضية على اختلاف فترتها، من خلال متابعة حالته بشكل يومي، والذي يمنعه من مغادرة منزله نهائيا، في حين يتم حرمانه من التأمين في حال تم اكتشاف خرقه للقوانين، غير أن العديد من العمال، يلجؤون لوضع شهادات طبية على مدى طويل، ثم يغادرون لمناطق أخرى يمارسون خلالها أعمالا أخرى بهدف كسب الرزق، وهو ما صرح به أحد العمال في مؤسسة عمومية بباتنة، السيد “حميدة”، الذي قال أن ظروفه الاجتماعية وراتبه الذي يتقاضاه لا يسمح له بتغطية المصاريف المنزلية، ما يدفعه أحيانا للجوء على الحصول على عطلة مرضية بأسباب متفاوتة وكثيرا ما تكون للوساطة دور كبير في استفادته، ثم يلجأ إلى العمل خلال تلك الفترة ليسد احتياجاته عائلته، وهو ما اعتبره بالأمر الذي يراه شرعيا، مقارنة مع أوضاعه المزرية وراتبه المتدني الذي يدفعه لانتهاج أساليب ملتوية.

من جهته، كشف مدير الصندوق الولائي للعمال الأجراء بباتنة، أن العديد من العمال يلجؤون للشهادات المرضية بمجرد وجود مشاكل بسيطة جدا، سواء مع رب العمل أو رغبة في الراحة والاستجمام، في حين تعمل المؤسسة على التطبيق الصارم للقوانين الخاصة بالمتابعة وتقديم الشهادات للمستحقين فقط من قبل الطبيب الاستشاري، كما أضاف أن الموظفين في قطاع التعليم هم أكثر الفئات التي تستفيد وتلجأ للعطل المرضية، أما آخرون فيقومون بتغطية أنفسهم بالشهادة الطبية هروبا من العمل، حيث يلجأ قطاع الضمان الاجتماعي للتحقيق في الأمر وهو ما دفع بالعشرات منهم إلى الدخول في صراعات قانونية  جرتهم إلى أروقة العدالة.

 

شهادات للبيع وأخرى بالمحاباة والبيروقراطية و”القرابة”

يلجأ العديد من الأطباء خاصة الخواص إلى المتاجرة بالشهادات الطبية لسبب أو دونه، بهدف كسب المال وتطوير الخدمات التي يقدمونها والحافظ على استمرارية عياداتهم وخدماتها وتفادي نفور المرضى والمواطنين منها، وهذا في ظل غياب تام للرقابة التي من شأنها أن تكون صارمة في مثل هذه المواضع، حيث يستفيد المريض من عطلة مرضية حسب رغبته وكلما كانت العطلة أوسع، كلما ارتفع ثمن الشهادة، وهو ما يتم استخدامه من قبل العديد من الموظفين في القطاعين العام أو الخاص، والذين يتهربون من مناصبهم وأعمالهم بطرق ملتوية تجلب لهم الراحة التي ينشدونها، حيث قالت السيدة “ياسمين.م”، أنها تقوم بزيارة الطبيب في أي مشكل يواجهها بهدف تحرير شهادة مرضية تستفيد جراءها من عطلة مرضية ولو لأيام قلائل، في حين تقوم بنفس العملية إذا ما حدث وتأخرت عن عملها، وهو ما تعمل حاليا على فعله لأبنائها أيضا الذين يتغيبون عن المدرسة في بعض الأوقات، لتتخذ من الشهادة المرضية ذريعة لغيابهم ولو أن ذلك يؤثر على تحصيلهم العلمي والمعرفي وربما على تربيتهم أيضا.

من جهة أخرى، يلجأ العديد من موظفي القطاع التربوي وهو أكثر القطاعات استفادة من العطل المرضية، إلى الحصول على شهادة مرضية للتخلص من المهام الموكلة إليهم، خاصة أولئك الأساتذة الذين يرفضون مهام الحراسة خلال الامتحانات أو تصحيحها، وهو ما قالت عنه “أمينة.ع”، أستاذة بإحدى المتوسطات باتنة، والتي لجأت مؤخرا إلى طبيب مختص بهدف تحرير شهادة طبية تثبت عدم قدرتها على حراسة الامتحانات والقيام بأي مهام، لتتمكن بعدها من التنصل من مهمة الرقابة التي فرضت خلال امتحانات شهادة البكالوريا، وأكثر الأمور التي تحدث بهذا الشكل تكون بتواطؤ من الأطباء الذين يقدمون مبررات قد لا تكون مقنعة في كثير من الأحيان، ولكنهم يتقاضون مقابلها أموالا، كما تكون أحيانا بالمحاباة والمجاملة أو بواسطة قرابة أو معرفة شخصية بالمستفيد، وهذا أخطر أنواع الفساد الإداري الذي ينخر المؤسسات والذي انتقل كالنار في الهشيم ولم يعد يستثني أحدا، لتضرب القوانين عرض الحائط بعيدا عن بروتوكولات الأحاديث الشفافة والمواد القانونية التي تحدد المهام والحقوق والواجبات.

 

أطباء يكشفون: “غياب الضمير المهني هو السبب والمستفيد الأكبر هم المحتالين”

الطبيب كمال بوستة وفي ذات السياق، قال أن هناك حالات عديدة تتطلب اللجوء إلى العطلة المرضية على أساس تمكينهم بتبرير وضعيتهم الصحية، وفق معايير قانونية، والطبيب الاستشاري هو الذي يستطيع تحديد أحقية فحص المستفيد وتمكينه من الاستفادة من العطلة المرضية، ورغم أن هناك العديد من الحالات التي تقوم بتبرير وضعيتها الصحية للضمان الاجتماعي، فإن العديد يلجؤون مباشرة لرب العمل بهدف إبراز حالتهم وسبب غيابهم لتفادي الخصم أو العقوبات الناجمة عن ذلك.

وقال الطبيب بوستة :”لا يمكن للطبيب أن يلطخ كرامته ومهنته بهدف كسب المال، إلا إذا غاب عنه الضمير المهني، ووفقا للحالة الصحية للمريض، يقوم الطبيب بتحرير الشهادة المرضية وفق الحالة الصحية وذلك من باب الأخلاقيات المهنية، فالطبيب مطالب بتحديد مسؤولياته والتأكد من الوضع الصحي للمريض قبل تقديم العطلة له، والتي يكون فيها كلا الطرفان مسؤولان عنها”.

هذا وحسب أصداء متداولة، فإن العديد من المرضى يلجؤون لتقديم شهادات طبية مزيفة سواء للمستخدم أو لوكالة التضامن الاجتماعي، وذلك لنفس الهدف، ورغم ما تنجر عليه من أخطار وعواقب، غير أنها تبقى قيد الاستخدام لحد الآن، وقد تكون هذه الشهادات سرقت بطريقة مشبوهة أو تم الاستفادة منها من قبل الطبيب الذي يترك المجال مفتوحا للمريض لتحديد فترة استفادته، كما قد تكون بالمحاباة وعن طريق الصداقة أو القرابة، ويبقى هذا الأمر يعرف انتشارا واسعا في ظل غياب برامج الكترونية فعالة تحد من هذه التصرفات وتحدد توقيت وتاريخ وإمضاء الطبيب المعالج.

من جهته، دعا الطبيب بوستة، إلى ضرورة الاعتماد على برامج الكترونية تكنولوجية متطورة خاصة بتحرير الشهادات الطبية بعيدا عن التزييف والمتاجرة واحتمالات السرقة، لتفادي الاحتيال والتلاعب الحاصل بها، ولعل أكثر البرامج المعتمدة من قبل الأطباء مؤخرا هو برنامج “Erazi Medical” الذي يعتمد على السرية التامة لملفات المرضى، الذي يحدد مختلف التفاصيل الخاصة بتحرير الشهادة مهما كانت، كما حمل الطبيب كمال، مسؤولية أي تزوير أو احتيال للمستفيد الذي يقوم باستخدام واستغلال الشهادة وفق احتياجاته، في حين يكمن دور الطبيب في تحرير الشهادة حسب طلب المريض لا غير، ولعل القرابة أو حتى “المعريفة” التي تجعل الطبيب يسلم الشهادة للمريض حسب رغبته بعدا تواطؤا فقط وليس تزويرا، وهو مسؤول عنها، خاصة في حال تورط المريض في قضية ما.

 

14 مليون عطلة مرضية و1700 مليار سنتيم قيمة التعويضات

في آخر إحصائية لوزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، خلال العام المنصرم 2018، كشفت عن تسجيل نحو 14 مليون مستفيد من العطل المرضية والتي كلفت تعويضات مالية ضخمة وصلت لحدود 1700 مليار سنتيم يوميا، حيث طالب العديد من المختصين والمتابعين بضرورة مراجعة آليات التعويضات للأشخاص المؤمنين وكذا تشديد الرقابة الإدارية والطبية على المستفيدين، بهدف تفادي التحايل والتلاعبات والمراوغات والعمل على ترشيد النفقات، في حين وجب على الأطباء التحلي بالضمير المهني والرقابة الطبية الجدية للمريض دون تساهل ولا تواطؤ، بعدما كشفت آخر الإحصائيات بوجود نحو 64 ألف وصفة طبية تم تعويضها.

 

القانون الجزائري يشدد العقوبة.. بين سنتين إلى عشر سنوات سجنا للمخالفين

من الناحية القانونية، يعتبر المحامي والناشط الحقوقي العربي بومعراف، أن الشهادات الطبية الكاذبة تعتبر من أبرز المخالفات المرتكبة من طرف الأطباء والأشخاص العاديين، حيث أنها تمنح امتيازات مادية غير مبررة للغير على حساب المؤمن الاجتماعي سواء المستخدمين أو مؤسسات العمل أو هيئات الضمان الاجتماعي، ويترتب على مثل هذه الشهادات المزورة نفقات زائدة تمس بالتوازنات المالية لصناديق الضمان الاجتماعي، والمشرع الجزائري في إطار مكافحة ظاهرة الشهادات الطبية الكاذبة أوجد نوعين من الرقابة، رقابة قبلية تتجسد في الرقابة الطبية والرقابة الإدارية، أما الرقابة الثانية فهي بعدية تمارس في إطار القانون 08-08 المتعلق بالمنازعات في مجال الضمان الاجتماعي تتجسد من خلال لجنة تقنية ذات طابع طبي باعتبارها آلية للتسوية غير القضائية مهمتها وقائية أكثر منها عقابية، ولم يكتفي المشرع بسن الدور الرقابي الوقائي لمحاربة ظاهرة الشهادات الطبية بل كرس أيضا المتابعة الجزائية كآلية ردعية تضمن معاقبة وردع كل من يصدر شهادات طبية كاذبة سواء كان التزوير من الشخص العادي أو من الطبيب.

أما بخصوص الإجراءات القانونية المتخذة ضد العمال المستفيدين وكذا مختلف الأطراف المتواطئة في عمليات الاحتيال والتزوير، قال أن المشرع الجزائري، نص على التزوير في الشهادات الطبية في المادتين 225 و226 من قانون العقوبات الجزائري لاسيما التعديل 06-23 بتاريخ 20/12/2006، حيث تضمنت المادة 225 التزوير الذي يقع من الشخص العادي وينطبق هنا على العمال، بينما تضمنت المادة 226 التزوير الذي يقع من الطبيب. ولقد اعتبر المشرع التزوير في هذه الشهادات جنحة، عاقب عليه عند صدوره من شخص عادي بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وهي نفس عقوبة الطبيب إذا لم يقم بالتزوير مقابل رشوة أو استغلال للنفوذ طبقا للمادتين 25 و32 من قانون مكافحة الفساد 06-01 الذي أحالت إليه المواد من 126 إلى 134 من قانون العقوبات الجزائري حسب نص المادة 226 منه، ففي هذه الحالة عقوبة الحبس تصبح من سنتين إلى عشر سنوات والغرامة من 20 مليون سنتيم إلى 100 مليون سنتيمم.

في حين كشف أن المشرع الجزائري نص على التزوير الذي يرتكبه شخص عادي في شهادة طبية في نص المادة 225 من قانون العقوبات الجزائري بقوله، “كل شخص اصطنع باسم طبيب أو جراح أو طبيب أسنان أو قابلة شهادة مرضية أو شهادة بوجود عجز وذلك بقصد أن يعفي نفسه أو يعفي الغير من أية خدمة عمومية كانت يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات و بغرامة من 100.000 دج إلى 300.000 دج”.  وقد حصر المشرع نطاق هذا التزوير في أربع عناصر، فهو من ناحية يقتصر على التزوير المادي بطريق الاصطناع، ومن ناحية ثانية يتطلب أن تكون الشهادة منسوبة إلى طبيب أو جراح، ومن ناحية أخرى يشترط أن يكون موضوعها إثبات عاهة أو عجز، وفي النهاية يتطلب أن يكون القصد من التزوير هو تخليص المتهم نفسه أو غيره من أي خدمة عامة، أو الحصول على عطلة مرضية غير مستحقة تؤثر على نفقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويجب أن يتوافر في هذا التزوير الأركان العامة على غرار أن يكون هذا التزوير ماديا وأن يكون بطريق الاصطناع فقط دون غيره من الطرق الأخرى، ويتعين كذلك أن تنسب الشهادة زورا إلى طبيب أو جراح سواء كان ذلك الطبيب أو الجراح موجودا وجودا حقيقيا أو لا، كما يجب أن يكون موضوع الشهادة إثبات عاهة أو عجز أو مرض والأصل أن تكون العـاهة غير حقيقـية والمرض لا أساس له من الصحة، ومع ذلك يطبق النص كذلك إذا كانت العاهة حقيقية، فالتزوير متحقق بنسبة الشهادة زورا إلى طبيب.

أما بالنسبة للتزوير الواقع من الطبيب نصت عليه المادة 226 من قانون العقوبات الجزائري بقولها، “كل طبيب أو جراح أو طبيب أسنان أو ملاحظ صحي أو قابلة قرر كذبا بوجود أو بإخفاء وجود مرض أو عاهة أو عن سبب وفاة وذلك أثناء تأدية أعمال وظيفته وبغرض محاباة أحد الأشخاص يعاقب بالحبس لمدة سنة إلى ثلاث سنوات ما لم يكن الفعل إحدى الجرائم الأشد المنصوص عليها في المواد 126 إلى 134، ويجوز علاوة على ذلك أن يحكم على الجاني بالحرمان من حق أو أكثر من الحقوق الواردة في المادة 14 من سنة على الأقل إلى خمس سنوات على الأكثر”، ومفاد هذا التزوير هو أن يجعل الطبيب واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة، وهو تغيير للحقيقة بشكل شهادة تعطى مقابل مجاملة أو وعد أو وساطة أو توصية أو رشوة أو استغلال للنفوذ، ويعتبر الطبيب شريكا في جريمة نهب صناديق الضمان الاجتماعي بتحميلها مصاريف زائدة وبدون وجه حق إذا توافر لديه لدى القصد الجنائي وأهم عناصره هو علمه أنه لا وجود لمرض أو عاهة، وينتفي القصد إذا كان مخطئ في تقدير المرض.

فوزية قربع

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق