مجتمع

العلامات الخاصة على الأواني، الصالونات المغاربية والهندسة المعمارية الفريدة

مميزات البيت الشاوي المادية.. تشكيلة فريدة تمثل عراقة المجتمع

يحمل البيت الشاوي مميزات عديدة يختلف بها عن بقية المناطق، سواء في بنيته المعنوية أو في الشق المادي، فالأوراسيون كغيرهم يؤمنون أن البيت هو مجتمع مصغر وهو النواة الأولى للمجتمع فخصوه بالوقار والعناية، ما نتج عنه تكوين البيت بهذا الشكل.

وبعيدا عن الشق الأسري الذي تخفيه بيوت الأوراسيين والذي يمكن اعتباره شقا معنويا، فإن الشق المادي يتميز بمميزات عديدة، من حيث المظهر من ناحية البناء التقنية، ومن ناحية الأثاث كذلك فقد تميز البيت الأوراسي عن بقيت البيوت سواء في داخل الوطن أم في خارجه، كل هذه المميزات المادية جعلت من البيت الشاوي بيتا ذو خصائص مادية فريدة من نوعها ما مكنه من أن يحتل مكانة مرموقة في هواة الثقافات الاجتماعية المختلفة، فنجد أن جل من يزور هذه المنطقة ويتعرف على هذه الخصائص إلا وأصبح مولعا بها ويحاول تطبيقها في مجتمعه.
وبالحديث عن هذه المميزات المادية فإننا نتحدث فقط عن عقد أو عقدين من الزمن مضوا ولسنا نتكلم بذلك عن عصور غابرة إضافة إلا كوننا لازلنا نشاهدها يوميا حولنا، فالحديث عن الجانب المعماري لمنطقة الأوراس الذي أصبح اليوم كغيره يعتمد على الخرسانة والخرسانة المسلحة، فإننا نتحدث عن البيوت من ناحية الهندسة المعمارية فجل البيوت خاصة منها المبنية مباشرة بعد الاستقلال ببضع سنوات تحمل طابعا خاصا وهو تواجد “حوش” في منتصف البيت يفصل بين مختلف المنازل بالبيت، وهي تقنية يرى البعض أن أصولها عثمانية فالقصور العثمانية هي من كانت تحمل هذه الميزة، هذا “الحوش” يمكن العائلة عندما يكبر صغارها من تقسيم البيت لهم عند تكوينهم أسرا وعائلات أو بالأحرى عند زواجهم.
وعلى الرغم من أن الحديث عن الهندسة المعمارية طويل فإن هذه عينة بسيطة مما نلاحظه ومما أصبح ميزة بدأت بفقدان بريقها في البناء الحديث الذي أصبح يعتمد طرقا جديدة في تفصيل المنزل وحجراته، غير أن البيت لا يزال يحافظ على بعض العادات المادية كالصالونات المغاربية والتي تتميز بأريكتها التي تختلف كليا عن أنواع الأرائك الأخرى وهي عبارة عن سرير بأبعاد صغيرة لا يتجاوز عرضه عادة التسعين سنتيمتر يكسى بغطاء ذو ألوان زاهية وبراقة ويزين بوسائد مغطاة بغطاء من ذات النوع واللون تتميز بالحراشف على جانبيها، ويتميز السرير بكونه لا يملك متكأ يكون الجالس به متكأ مباشرة على الحائط وتحف السرير زربية من ذات اللون أو لون مخالف لا يفقده لمعانه وبريقه، توضع عليها عادة “بسائط” يدوية الصنع، لتكتمل حلة الصالون المغاربي بمقاعد هي الأخرى يدوية الصنع صنعت في وقت ماض من حاملات البيض، في حين أصبحت اليوم تصنع في مصانع صغيرة من الكارتون أو من بعض أنواع الخشب.
ويتزين هذا الصالون عند قدوم الأهل والأصدقاء بصينية تحمل ما ألذ وطاب من أكلات الشاوية المعهودة هذه الصينية وتلك الأطباق التي فوقها تحمل في العادة علامات كأول حرف من اسم العائلة أو خط بلون مغاير، وهي رموز توضع عند القيام بإقراض هذه الأدوات المنزلية إلى أحد الجيران أو الأقارب في حالة الأفراح والأقراح، حيث تعود الأوراسيون على إقراض بعضهم البعض في هذه المناسبات طاولات الطعام والصحون وأدوات الأكل والصينيات ومختلف لوازم المطبخ بل وحتى الأفرشة، وتجنبا لاختلاطها بعد انتهاء هذه المناسبة يتم وضع هذه العلامات كي يعرف فيما بعد صاحب هذه الأواني، وهي عادة لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، وفرضت نفسها كعلامة مميزة لأواني الأوراسيين.
عادة وضع علامات على الأواني تمثل حالة التآزر وقيم المجتمع الأوراسي النبيلة من جود وكرم، ووقوف إلى جانب أخوته وجيرانه وأصدقائه في مختلف الحالات، هي عادة تمثل العطاء الغير مشروط فابتعدت من أن تكون ميزة عادية إلى قيم يرقى بها الشاوية ليشكلوا بها النواة الحقيقة لمجتمع تميز بالعطاء والجود والكرم.
وعلى الرغم من أن جل هذه المميزات المادية التي تميزت بها سنوات ما بعد الاستقلال مباشرة قد بدأت جلها بالاندثار وقد تندثر مع مرور الوقت فإن اندثارها ليس بالضرورة سلبيا فالتطور في العمران مثلا هو تطور في العلم والمعرفة، إلا أن الواجب أن نحفظ القيم التي حملتها وجسدتها فالأواني ذات العلامات مثلا حملت لنا العطاء فتغير العادة وارد ولكن تغير لا يجب أبدا أن تتغير معها الخصال الحميدة، كما أنه من واجب الجميع التدوين خاصة كتدوين نوعية الصالونات المغاربية التي قد تقضي عليها الصالونات الحديثة قريبا بشكل مطلق وهذا من أجل تسجيل الذاكرة المحلية والثقافة الشاوية للأجيال اللاحقة التي قد لا يتسنى لها رؤية هذه الموروثات المادية والتي تشكل جزء من حضارتها في ما بعد.

رضوان.غ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق