كتاب مسلسل

العودة والكفاح من أجل العيش:

التحق كل واحد منا إلى أهله وكم كانت الفرحة كبيرة بين الرجال والنساء والشيوخ والصبيان، جاء القريب والبعيد، جاء الصديق والعدو لكي يطلع على حالي، وقد أُنهش جسمي وذبل طيلة (11) سنة سجنا، لكن ماذا يقول المؤمن: حسبنا الله ونعم الوكيل وكان هذا شعاري دائما وأنا في السجن.

أتذكر ذلك الصديق الضابط محمد الهادي ارزايمية الذي كان هو أيضا في السجن إذ قضى فيه (3) ثلاث سنوات جاءني وحمل إلي “برنوس ملف” أحتفظ به لحد ألان بعد مرور (20) سنة كما أحتفظ بقائمة أولئك الذين قدموا لي إعانات مالية جزاهم الله خيرا ولن أنساهم أبدا، وكنت في أشد الحاجة إلى هذه الإعانات لأني لا أكسب أي شيء، فقد جردت من كل ما املك ولم يبقى لي سوى الإيمان بالله الذي حفظنا وسترنا من هذه النكبة الأليمة التي ذقنا مرارتها طيلة هذه السنوات مع أهالينا وأولادنا.

إنه القضاء والقدر الذي لا مفر منه وكل مؤمن مسلم لا بد له من الامتحان في هذه الدنيا ليمنحه الله الصبر على ما أصابه من محن وما كتب له، وليقل الحمد لله على ما أصابنا ويبقى صابرا منتظرا حتى يقضي الله أمره، وقد تعلمت في السجن أشياء وأشياء ولو لم أكن بالقرب من المساجين لما أحسست بمعاناتهم، فقد اكتسبت خبرة في الحياة زادت على خبرتي في ثورة التحرير الكبرى، وما كنت أسمع به قد عشته وسمعته وتتبعت أحداثه دقيقة بدقيقة وثانية بثانية، والحمد لله على كل ما حدث لنا.

مرت أيام وأسابيع وأنا أحيا في سعادة لا توصف وفرحة غمرت قلبي كله بتلك الزيارات المتتالية والأفراح، لكن جاء الآن “الكفاح الكبير” من أجل العيش وقد خرجت من السجن لا أملك شيئا فلا مأوى ولا مصدر عيش، فلم أكن أملك مجرد لباس ألبسه ولا بيت أجمع فيه عائلتي المتشتتة، قد خرجت وأنا كما يقال خاوي اليدين في درجة الصفر.

كان لدي ثلاثة أولاد كبروا ما شاء الله يحتاجون لكل متطلبات الحياة بعدما خرج أبوهم سندهم في الحياة، فقد حرموا صغارا من كل شيء في الحياة ولا أريدهم أن يحرموا وهم كبارا من متاعها مادام أبوهم بجنبهم على قيد الحياة يحميهم بكل عزيمة وثبات.

بدأت أصرف من الأموال التي أعانني بها الأصدقاء ونظرا وبما أن لي الحق في هذا الوطن فقد بدأت أفكر في ما يعيلني أنا وأسرتي التي جمعتها من جديد، فتقدمت لوزارة المجاهدين وكان على رأسها السيد محمد الشريف مساعديه، فكونت ملفا في نطاق المجاهدين وقد تم التصديق عليه، وذلك يوم 15 اكتوبر 1979 تحت رقم: 84540/57، فكان ما أقتضيه من هذه المنحة لمدة (3) أشهر لا يكفي حاجيات أولادي، هذه المنحة قدرها (360) ثلاثمائة وستون ألف سنتيم كل ثلاثة أشهر أتسلمها أربع مرات في العام.

كانت لي اتصالات مع مسؤول حزب جبهة التحرير الوطني السيد محمد الصالح يحياوي، فقد كنا معا أعضاء في قيادة الولاية الأولى التاريخية.

فكانت ترسل لي إعانة من طرفه بمبلغ (300) ثلاثمائة ألف سنتيم شهريا، كل هذا الدعم المالي خفف عني عبئا ثقيلا من ناحية المصاريف ومتطلبات الظروف الصعبة التي لازلت أعيشها أنا وأولادي.

مرت الأيام ثم الشهور فجاء قرار الرئيس الشاذلي بن جديد بالعفو العام وإعادة الاعتبار لكل إطارات الدولة وثورة التحرير، وصحب هذا القرار إجراءات خاصة بموجبها يمنح التقاعد لهؤلاء جميعا: رؤساء، وزراء، سفراء، ضباط.. وكلهم خارج السلطة، كونت ملفا وتقدمت به إلى مصالح الرئاسة، سنة 1983 لكن مع المماطلات المقصودة، والأخذ والرد، وطلب الوثائق، وكَتب المطالب والرسائل المتعددة لم تحل هذه القضية إلا بعد أربعة سنوات أي سنة 1987.

أيعقل أن يبقى ملف أربعة (4) سنوات في الدرس وتحت النظر؟ كان المكلف بهذه الملفات الضابط عبد الجليل الذي يعمل في مصالح الرئاسة –الأمانة العامة للرئاسة-، فكم من مصاريف وتكاليف وعناء تحملتها من أجل هذا الملف وهذا الحق الشرعي الذي تقرر في النهاية في 04 ماي 1987 بناء على المرسوم رقم 83 المؤرخ في 31/10/1983 الخاص بالإطارات السامية للدولة.

كانت منحة متواضعة وترك لي الاختيار بين المنحة العسكرية لمتقاعدي الجيش الوطني الشعبي أو منحة إطارات الدولة لجيش وجبهة التحرير، فأخترت الطريقة الثانية، لكن كيفية التطبيق لم تكن كما هو مطلوب ومقرر في القوانين لأنه إذا كان القرار الرئاسي هو إعادة الاعتبار لكل الذين شاركوا في حركة 14 ديسمبر 1967 من ضباط وضباط صف فإن تطبيق المرسوم كان مخالفا تماما لما هو مطلوب أن يمنح لكل هؤلاء.

ونظرا لهذه الحالة بعثنا برسالة جماعية ممضاة من طرف حوالي (15) خمسة عشرة ضابطا لكن كان الرد من الأمين العام لوزارة الدفاع بأن القرار طبق بدون لبس، وكانت لنا مراسلة قبل هذا المرسوم إلى أمين وزارة الدفاع: الضابط بلوصيف الذي رد علينا: “بأننا ليس لنا أي حق وأن أمورنا ليست من صلاحيات وزارة الدفاع بل المكلف بذلك هي وزارة المجاهدين”.

هذا الرد أوضح لنا عن النوايا المبيتة وأنهم أرادوا تجريدنا للمرة الثانية من كل الحقوق، كما فعلوا لكثير من الإطارات سنة 1968 و1969 عندما قالوا للإطارات الذين كان لهم شرف المشاركة في الثورة التحريرية: “إمضي على أنك امقاجي متطوع في الجيش الوطني أو أخرج من الجيش”.

وكان الرد سريعا لأن هذه الإطارات المجاهدة شعرت بأن كرامتهم دست فغادروا وهم بالمئات صفوف الجيش الوطني الشعبي إلى مصير مجهول، لأنهم لم يقبلوا هذه الإهانة والتعسف المسلط عليهم من طرف المسؤولين الذين استولوا على وزارة الدفاع بغطاء من الرئيس بومدين، ومن بينهم العقيد شابو.

سُلمت لهؤلاء الإطارات عدة دراهم ولباس مدني وغادروا صفوف الجيش الوطني ورؤوسهم شامخة متحدين هذه المؤامرة الدنيئة وهذه التصفية لمجاهدي جيش التحرير الوطني.

كانت لنا مراسلة ثانية تتعلق بحقوقنا لوزير الدفاع السيد خالد نزار، لكن لم نتلق أي رد، وعرفنا وتأكدت أننا كنا نتسول من الوزارة وأن ما وقع سنة 1967 كان له وقع في نفوس هؤلاء ودرس لهم وهم الذين تربعوا على العرش، ونحن الذين مهدنا لهم الطريق حتى أصبحوا في النعيم والعز.

أن هذه التصفيات لإطارات جيش التحرير هي اكبر دليل على نوايا الحكام الخبيثة ومؤامراتهم الدنيئة للاستيلاء على هذا الجيش.

جاء من جديد اللواء زروال إلى قيادة وزارة الدفاع بعـدما عينـه اللواء نزار -كما يقول- وكانت لنا مبادرة معه، وكان أملنا كبير في اللواء زروال، لكنها وعود بدون آفاق؛ لأن السلطة ليست بيديه كما أكده نزار في قوله “كيف عينت زروال” “Comment j’ai désigné ZERROUAL”، تأكدنا أنهم ينظرون إلينا كأننا غرباء عن هذا الوطن وعن هذه الجزائر التي أعطينا دمنا من أجلها لقد ضحينا ليسعدوا هم ويقطفوا الثمار.

جاءت انتخابات سنة 1982 وقد رشحنا أنفسنا نحن العديد ممن شارك في حركة 14 ديسمبر 1967 وقد قدمت القائمة عن طريق حزب جبهة التحرير لكن عندما بلغت الملفات والأسماء إلى الجزائر العاصمة -أي الرئاسة- شطبوا أسماءنا واتضح جليا أن قرار ومرسوم “إعادة الاعتبار” لا أساس له في الواقع،  فأين حق المواطنة، وأين الحقوق المدنية؟…

مات الرئيس بومدين، وجاء الرئيس الشاذلي بن جديد لكن الزمرة الحاكمة لازالت تتصرف في الجزائر، كما شاءت وكما يحلو لها، يمارسون الحكم دفاعا عن بقائهم على العرش وخوفا من المستقبل المجهول..!. فكل من لم يحتم بهم ولم يسر تحت سيطرتهم لا مكان له تحت سقف وظل في هذه الجزائر الحبيبة، لا مكان لمن لا يسير في الطريق المسطر…

جاء مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني سنة 1988 وكان لي أمل أن أكون من المشاركين في هذا المؤتمر الهام لكن عندما تقدمت إلى محافظة الحزب بباتنة قيل لي آنذاك: “أني لست من جبهة التحرير الوطني”. هؤلاء أيضا أرادوا حذفنا من الخريطة السياسية اتصلت بالقيادة المركزية للحزب وعلى رأسها السيد محمد الشريف مساعديه، وكان التجاوب الإيجابي وحضرت المؤتمر مما بعث في نفسي روح التحدي والصمود أمام كل هؤلاء الأوباش الذين أرادوا لنا الموت السياسي والاستيلاء على الساحة لوحدهم ليعثوا فيها فسادا، أيعقل أن يضرب علينا الخط الأحمر في كل أمور وشؤون الدولة؟…

كنت عضوا في قيادة الولاية الأولى التاريخية ثم قائد الناحية العسكرية الخامسة وكنا نحن الذين بعثنا للوجود وأسسنا هذا الحزب بعد الاستقلال فكوننا الفدراليات، والنواحي والقسمات وكل أسس حزب جبهة التحرير..

لكن مهما يكن الأمر ماضيا وحاضرا ومستقبلا فإن جيش وجبهة التحرير الوطني هما الدم الذي يجري في أرواحنا وأجسادنا حتى آخر يوم من حياتنا. وأعني بذلك كل الذين ضحوا بإخلاص على هذا الوطن، وقدموا الغالي والنفيس من أجل أن تتحرر هذه الجزائر من براثين الاستعمار والأعوان والخونة والانتهازيين والمترددين والعملاء.

ويبقى حب الجزائر دوما يسري في عروقي ولن أخونها مهما صادفتني من ظروف وما بقي في حياتي من عمر، الذي ضاع منه الكثير في سجونها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق