العمود

الغاية تمنع الحقيقة

لم يخطئ من قال أن المواقف كاشفة معادن، فمن بين النتائج الايجابية التي خرجنا منها لحد الآن من الحراك هي سقوط أقنعة كثير من السياسيين والإعلاميين وكثير من الشخصيات التي كان يتوسم فيها الجزائريون الوطنية والمثالية، والعكس صحيح، فكثير من الإعلاميين الذين كانوا نوعا ما مغمورين تارة وثرثارين تارة أخرى اتضح أنهم أكثر وطنية وأكثر رزانة.
عندما يتفق الجزائريون على اعتبار “فلان” قامة إعلامية وقلما حرا لا ينكسر، بل قلما لا ينضب حبره في سبيل النضال من أجل إعلاء كلمة الحق وتحرير الوعي فيظهر هذا القلم بأنه لم يكن يوما حرا ولم يناضل يوما في سبيل تحرير الوعي فتلك المصيبة التي يتضح للجزائريين بأنها قد ألمت بهم منذ سنوات حالها كحال مختلف المصائب السياسية وعلى رأسها مصيبة العصابة، فمصيبة “الميكافيليين” الذين يختبئون وراء الكلمات ووراء “القلم” الذي يزعمون أنه حر هي أعظم المصائب التي قد تلم بالشعوب، لأن العصابة واضحة عناصرها، وواضحة أهدافها، وواضحة نواياها، بينما الإعلامي الذي يخدم أجندة ما باسم “تحرير الوعي” وباسم “نشر الحقائق” فخطر ليس من السهل اكتشافه إلا في وقت ما، ومن حسن حظنا أن الحراك قد عجل بكشف أمثلة عن الإعلاميين المزيفين الذين ظلوا يتسترون على حقيقتهم بطريقة ذكية والأكثر من ذلك يوهموننا أن رأيهم الصواب وأنهم القدوة.
من جهة أخرى، هناك إعلامي “ثرثار” اختلف الناس على انتمائه الإيديولوجي وعلى توجهه السياسي فخونه البعض واتهمه البعض وشكره البعض أيضا، لكن الحقيقة التي لا يمكن لأحد إلا أن يعترف بها هي أنه أظهر وعيا أكبر من الذي أظهره كثير ممن كنا نعتبرهم “قامات إعلامية” فسقط عنهم القناع بمجرد أن شنوا هجمات متتالية على مؤسسة الجيش وقبل ذلك الترويج لفكر معادي “للوطنيين” ليس اقتناعا منهم بأن ما يقولون هو “الصح” لكن تنفيذا لأجندة ما وتسويقا لمخطط ما حتى لو كان على حساب الحقيقة التي كانوا ليخرجوا بالشعب الجزائري إلى بر الأمان لو أنهم كشفوها وروجوا لها بالطريقة الذكية التي يروجون بها للفتنة، فيما أظهر الإعلامي الذي كان البعض يظنه ثرثارا حبا للوطن من خلال دعوته الشعب الجزائري لأن يعذر قوات الأمن إن بدر منها أي سلوك أو أي تجاوز وقد دعا إلى ذلك بطريقة لا يمكن لأحد إلا أن يستشعر فيها الصدق والخوف على الدولة والشعب معا.
ما ينقصنا اليوم أكثر من أي وقت مضى هو المنطق والنزاهة، فلو تقيد الكثير من الإعلاميين والسياسيين والشخصيات باختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم لو تقيدوا بالنزاهة والمنطق والصراحة تحكيما للضمير لا تحكيما للشعبوية ومحاولة إرضاء “الغاشي” لاستطعنا أن نصل إلى حلول سريعة ومستعجلة ومنطقية لما نحن فيه، أما وقد حجبت غاية الكثير من “المثقفين والسياسيين والإعلاميين” الحقيقة فأظن أن الخـــروج من الأزمة لن يكون بالأمر السهل.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق