العمود

الغراب الذهبي

وجب الكلام

من الطقوس التي حرص الفراعنة القدامى على إحيائها وحافظ عليها بعض أحفادهم في مصر خاصة أهل الجنوب أنهم قدسوا الأحزان حتى أوجدوا ما يسمى بالندابات، وهن نساء يقوم أهل الميت بإحضارهن من أجل إضفاء جو من الحزن على العزاء، فيقمن بقرع الدفوف خلال الجنازة ويصحن ويصرخن بطريقة تقشعر لها الأبدان، رغم أن لا علاقة لهن ولا قرابة تربطهن بالميت وأهله، فكل عملهن هو أن يرفعن من جرعة الحزن والتشاؤم لدى أهل الميت ولدى المعزين.
المؤسف أن ما يحدث في كل حادثة أو بعد كل جريمة في الجزائر هو أن بعض الإعلاميين ينزعون عن أنفسهم عباءة الاحتراف إن وجدت أصلا ويلبسون ثوب الندب واللطم فيتحولوا فجأة إلى ندابات ويحيون موروث الفراعنة القدامى بل ويعيدون إلى أذهاننا تلك الرسومات المنقوشة على جدار مقبرة “رع موزا”، وهذا ما يتضح جليا في طريقة تناول الحوادث والجرائم إعلاميا وطريقة تغطية ما بعد الحادثة والجريمة.
الأهم بالنسبة لبعض الإعلاميين ليس تغطية الأخبار والحوادث والأزمات والمصائب، بل هو زيادة جرعة الحزن والأسى لدى العائلات الجزائرية ولدى الجمهور الجزائري وكذا زيادة جرعة التشاؤم من خلال العناوين البائسة بالنسبة للجرائد، كأن تعنون إحداها وتكتب في الصفحة الأولى بالبند العريض “طالب يذبح من الوريد حتى الوريد”، أو أن تتعمد التقارير في القنوات التلفزيونية استعمال مصطلحات تحاول من خلالها الضغط أكثر على “مشاعر” الجمهور الحساس كطريقة لشده أكثر إلى “القناة” دون مراعاة مشاعر أهالي الضحايا.
جل وسائل الإعلام عندنا لم تعد تعتمد على صحافيين وإعلاميين محترفين، بل إنها باتت توظف إعلاميين “كل بمهمته” وليس هذا طبعا تحت مبدأ الإعلامي أو الصحافي المناسب في المكان المناسب، بل تحت مبدأ “لكل مقام مقال”، ففي السياسة هناك إعلاميون مختصون في استفزاز الضيوف وإهانتهم وإظهارهم على أنهم أقزام، وفي الرياضة هناك إعلاميون مختصون في تأليب الجمهور الرياضي على “الرياضيين المحترفين”، وفي تغطية الحوادث والجرائم هناك “الندابات” أو ما أرى أنه يليق تسميته بإعلاميي الشؤم، ولربما كان الإعلام الجزائري أول من حظي بالأسبقية في اكتشاف “إعلام الندب”، لهذا فأنا أرى أن نؤسس جائزة نسميها “الغراب الذهبي” تمنح كل عام لمن يندب أكثر ولمن ينعق أكثر عبر وسيلة إعلامية ما.
حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق