مجتمع

“الـذْواقة” أو “الملـح”.. عادة جزائرية في طريق الاندثار

يعتبر إهداء الطعام للجيران والأقارب أو ما يسمى عندنا “بالذْواقة” أو “الملح” عادة جزائرية أصيلة راسخة، توارثناها جيلا عن جيل وأسست لها العلاقات الطيبة بين أفراد المجتمع حيث كان تبادل الأطعمة وتنقلها بين البيوت يعزز أخلاق التسامح والترابط والإحسان بينهم ..ويُذْكي على المناسبات نكهة خاصة تعبق بروائح ألذ ما طبخ في المنازل و ما تم إعداده ليكون رابطا أشبه “بالمقدس” حيث يدخل ضمن موانع الإيذاء والخيانة فكان يُقسم به بعبارة “وراس الملح لي بيناتنا” للتأكيد على الصدق والوفاء وما إلى ذلك..وقد يكون سببا للدعاء على شخص ما أو التّشفّي بقولنا “يخرج فيه الملح” لأنه حسب الاعتقاد السائد “فالملح أو الذواقة” تعاقب كل من لم يراعيها بالأمراض والمشاكل وقلة الراحة والاستقرار والهلاك.. و”الذْواقة” زيادة عن كونها موروث شعبي عرفته الأسر الجزائرية منذ القدم تعتبر سنة حميدة أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بها في أكثر من موضع.. ففي رواية لمسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: “إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ”..وهذا أمر صريح بالإحسان للجيران من خلال التودد إليهم بالإطعام.

وما يؤسف له أن المجتمع الجزائري بدأ يفقد الكثير من خصوصياته وعاداته وتقاليده..فالأبواب باتت موصدة والسلام بين الناس يحسب له ألف حساب، والجار لا يعرف جاره، والأقارب تباعدوا..وليس من الغريب أن تتلاشى ” عادة “الذْواقة” أو “الملح” كنتيجة حتمية لمجتمع تبلّدت فيه العلاقات والعواطف..

الجيران يرفضون تلقي المجاملات
بالرغم من كون “الذْواقة” عادة جزائرية بامتياز إلا أننا لا يمكننا في الوقت الحاضر أن نمنحها شرف الانتماء، لأننا في واقع أمرنا تخلّينا عنها لصالح حياتنا “المنعزلة” و”خصوصياتنا” الغارقة في الخصوصية مخافة أن يدق بابنا “جار” أو قريب”.. وأصبحت المجاملات الاجتماعية تصنف ضمن أساليب التطفل حيث يعتبر كل من يدق باب جاره “فضوليا” “متطفلا” جعل من “الذْواقة” وسيلة لإقحام “أنفه” في حياة الآخرين وجعلها سببا “للتسلّل” إليهم..
تقول نسيمة وهي سيدة أربعينية ماكثة بالبيت :” لقد أصبحنا في زمن مختلف تماما عن زمان طفولتنا حيث كانت أمي ترسل الطعام للجيران في سائر الأيام ودون مناسبة تُذكر..فلا يمر يوم إلا وقد خصصت “صحنا” لأحدهم وكنا في المقابل نتلقى “ذْواقة” الجيران بفرح كبير..أما اليوم فنحن أصلا لا نعرف بعضنا بعضا وأذكر أنني أرسلت طبقا من الكسكس لجارتي فوضعته في كيس وتركته أمام عتبة بابي..حتى أنها لم تكلف نفسها عناء الدقّ على الباب..وكان أن التقيتها فأردت أن أعتب عليها وأفهمها أننا جيران والرسول أوصانا بالجار فقالت لي بوقاحة “ما نحبّش ماكلت الناس يا ادرى كيفاش يطيّبوها..وما نحبّش معريفة الجيران”..ومنذ ذلك الحين لم أجرؤ على مجاملة أحد..
أما حكيمة التي لم تتجاوز الثلاثين من العمر فتقول: ” الجيران لا يقبلون المجاملات وإن هم قبلوها مخافة الإحراج فهم سرعان ما يرمون بها في سلة المهملات..وأنا واحدة منهم..فالنفوس تغيّرت والسحر أصبح منتشرا لا تدري ما يفكر به صاحب “الذْواقة”..”سمّيه توسويس” المهم لم أعد أستطيع تقبّل فكرة تلقّي طعام من غير أخواتي أو أهل زوجي..

الذْواقة.. تفقد الكثير من معانيها
في وقت مضى كان لـ “الذْواقة” مكانة راقية..إلى درجة أن الجيران والأقارب يتنافسون في إخراجها ويفرحون بها دون خلفيات تُذكر..وكانت هذه العادة الاجتماعية تعكس أجواءنا البسيطة وتقاليدنا الراقية وعلاقاتنا التي يربطها رابط “الملح” كميثاق غليظ ينَمّي الاهتمام بالآخرين ومواساتهم وصفاء القلوب..لكن يبدو أننا فقدنا الكثير من أخلاقنا حيث اختلط علينا تمييز “الخبيث من الطيب” بعد تغيّر أحوال مجتمعنا ونفوس الناس وتأثيرات المجتمعات الأخرى التي أصبحنا منفتحين عليها عن طريق مواقع التواصل والانترنت أكثر من انفتاحنا على من هم أقرب إلينا والأحق بالوصل والتواصل.
سماح خميلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق