وطني

الفايسبوكيون يدفعون ثمن “الجرعة الزائدة”!

صفحات مليونية تتحكم في توجيه الرأي العام

بين عشية وضحاها تم تصنيف الفايسبوك في خانة “خطر” على النظام العام وأن المعالجة بـ “الحسم” الآني في كذا قضايا تتصل بالفضاء الأزرق باتت أكثر من ضرورة لإعادة ضبط الصف بالنسبة إلى جيل يعتقد أنه “يناضل” لأجل حريته وحقوقه الاجتماعية من منطلق الجلوس وراء المكاتب في الوقت الذي يلقي فيه قنابل سياسية واجتماعية ضخمة الانفجار بمجرد كبسة زر..

لما سئل وزير الداخلية الأسبق محمد يزيد زرهوني إن كان رواد الفضاء الأزرق في الجزائر يشكلون خطرا على النظام العام للبلاد تضمنت إجابة “اللواء” ابتسامة حملت في دلالاتها العميقة نوعا من الارتياح الرسمي واطمئنان السلطات أن شباب الفايسبوك في الجزائر في أقصى تمرده و”شغبه” لن يتعدى حدود العلاقات العاطفية أو ديناميكية بيع وشراء الهواتف النقالة في ما يعرف بالتسوق الرقمي.
لكن لو تمت إعادة طرح ذات السؤال اليوم على وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين بدوي لاشتمل الرد الرسمي إجابات مختلفة تماما عما كانت عليه ردود السلطة عشية ميلاد ما سمي بـ “ثورات الربيع العربي”.
ومع أن رواد فضاء التواصل الاجتماعي في الجزائر ظلوا بعيدين عن دخول الحقول الملغمة سياسيا باستثناء المناسبات ومواعيد الاقتراع التي تفرض نفسها في إقحام الرأي العام للتعاطي مع المستجدات والتفاعل مع إفرازات الساحة ولو من بات “التنكيت” والسخرية من خرجات الطبقة السياسية التي ينحدر جزء كبير منها إلى مستوى التهريج السياسي المنفر لطبقات الشعب، بالإضافة إلى خلو خطاب هذه الطبقة موالاة ومعارضة من برامج ترقى لتحقيق “مشروع مجتمع” يؤدي في النهاية إلى “توافق” شعبي عبر صناديق الاقتراع.
إلا أن الوجه “المخيف” لهذا الفضاء الأزرق تجلى حاضرا في مجالين لا يقل أحدهما من حيث الخطر على منظومة المجتمع وعلى قيم الدولة ومؤسساتها القائمة، الأول يتعلق بمخاوف “الاختراق” من طرف التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة تحت غطاء “التجنيد” أو حشد تأييد الرأي العام لصفها، أما الثاني فيتمثل في سقوط منظومة الأخلاق وتراجع القيم الاجتماعية ما أتاح المجال بشكل واسع لانتشار عمليات واسعة من الابتزاز والمساومة الغير أخلاقية، ناهيك عما يعج به هذا الفضاء من قضايا يدرجها القانون في خانة القذف والتشهير وهو ما تغرق فيه الجزائر اليوم وتسعى لتدارك الفجوة عبر تكييف منظومتها القانونية والقضائية في الأمن السيبراني.
وتأتي قضية الناشطين والإعلاميين والفنانين الموقوفين في إطار التحقيق بخصوص شبكة “ابتزاز” كوّنت “ثروة” مالية من نشاطها في مساومة سياسيين ورجال أعمال أرغموا على دفع أموال طائلة اتقاء للفضيحة في أوساط المجتمع دليل قاطع على عزم الجهات الرسمية تغيير مفهومها وتعاملها مع “الجريمة الالكترونية” ولو في حدودها الدنيا المتعلقة بالقذف والتشهير عبر منصات التواصل الاجتماعي التي غدت ساحة معركة حقيقية لأجنحة متصارعة سياسيا واقتصاديا تغذيها في ذلك جماعات ضغط ومصالح لنافذين ومتغولين ماليا.
وانتقلت هجمات رواد شبكات التواصل الاجتماعي من صورة التهكم على الواقع والنقد اللاذع لتناقضات الطبقة السياسية بما فيها الحاكمة حول مسائل اجتماعية محضة إلى لعب دور “حكومة ظل” متكاملة من خلال “هبّات” التضامن الواسعة مع المعوزين والمرضى إلى تنظيم ملتقيات ورحلات أعادت استكشاف جمال الجزائر الغائب عن القطاعات المخولة بذلك. وظل هذا الفضاء إلى وقت ليس ببعيد يقدم الإضافة حتى وإن أحرجت بعض هذه الإضافات السلطة بسبب إماطة اللثام عن زيف السياسيين والرسميين قبل أن ينقلب الأمر رأسا على عقب في ظل تردي مستوى الطبقة السياسية واقتحام المجالس التمثيلية من طرف أصحاب مصالح والمال الفاسد لتعطي لنا واقع “الشنطجة” الذي يملأ هذا الفضاء اليوم وتحوله إلى “حرب قذرة” تعتمد أساسا على الضرب تحت الحزام، وإباحة جميع الأسلحة المحظورة لإلحاق أكبر ضرر في معسكر الخصوم.
قضية شبكة الإعلاميين والفنانين بالعاصمة ومجموعة الناشطين الجمعويين بباتنة والحديث عن محاولات اختراق صفحات “مليونية” لتسخيرها لأغراض مشبوهة في موعد الرئاسيات القادم وغيرها من القضايا التي باتت محل اهتمام ومتابعة جهاز العدالة ليس على مستوى إصدار الأحكام فقط، وإنما بفتح الباب واسعا حول تكييف المنظومة القضائية لضبط نصوص التعاطي في مثل هذه القضايا واحتوائها بإطار قانوني يكفل الحقوق في الاتجاهين، في الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات من هنا وهناك باسم قوانين الجمهورية للتضييق أكثر على هذا الواقع الافتراضي الذي بات ينغص خصوصية الواقع المعيش لأغلب الجزائريين.

عبد الرحمان شايبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق