مواسم البوح

الفراغ

قصة

أتقلب في هذه الليلة القاتمة على فراشي من دون ما رعد، كأنني أدفع فاتورة ممحون غريب رمى الكرة المشتعلة عنه و لم يقبلها الطرف الأخر فاستهدفتني، قد تكون هذه اللقطة ضمن دفاتر تضامن الأرواح مع بعضها البعض في العهد الذي أخذته على نفسها، أو كأنها من مخلفات سنين اللوعة، ليست ملكية الأرواح لنا خالصة من دون الناس، ففيها جزء كبير لنا فيه شركاء لا نعرفهم، قد يظهرون يوما ما في حياتنا، وقد لا يظهرون، ولكن الملموس أن لهم حقا في التصرف في وجداننا ..يمكن لبعض النظرات الغامضة العابرة أن تختفي هنا أو هناك في إحدى زوايانا المجهولة لتصدر وقت غفلتنا أصواتا مقلدة تعبث بعواطفنا كما تشاء، وأحيانا كثيرة يصادف انبعاث هذه الأصوات لقاءات عابرة تقرع آذاننا أجراسها ثم نكتشف أنها بلاغات كاذبة، ما أكثر البلاغات الكاذبة التي مرت علينا؟!.. هذه المرة تلدني الهموم ولادة قيصرية، وتقطع حبلي السري بمقص يعج بالجراثيم، ومع ذلك فأنا أرفض أن يغسلوني بماء مختلط بغسيل مساحيق وجه عجوز وقحة.
أسمع وقع أقدام سكير اعتاد أن يرجع إلى منزله منتصف الليل، كان من عادته أن يدخل منزله متسللا، لأنه محترم وأبناؤه كبار، لكنه هذه المرة صاح:

تبا لكم جميعا أيها الجيران ..أليس فيكم رجل يقاسمني ما يضيق به صدري ؟
كنت أنتظر أن ينسكب بشلال من الشتم اللاذع مثل باقي المخمورين، ولكنه اكتفى بهذه العبارة، وحرمني من الانشغال بموضوع حقيقي.. لعله قد تسكع اليوم ولم يجد خمرا، أو لعل أبناءه لم يتركوا له فلسا في جيبه .. ولكن ما بالي منشغل به، فلئن كان حاله يدعو إلى الرثاء، فما حالي بأقل من حاله، على الأقل هو يعرف سبب قلقه ..

أحس بشيء يتربص بي أمام باب حجرتي، أتفرس في تلك العتمة فإذا هي سجادتي التي نسيت أن أطويها ما زالت كالقطة تنتظر أن أربت على شعرها الأملس، هي من ميراث والدي رحمه الله، وكذلك حجرة التيمم التي تغلفت بقشرات من الحنان والحنين تلمع بها خلايا أصابعه..

يهزمني الآن الفراغ كما لم يهزمني في أي وقت مضى، أشباحه تدق طبول الحرب ضدي، وتستعدي عليّ كل الأشياء، حاولت أن أهادنها، ولكنها رفضت، فالأمر يفوقها لأنها لا تهادن إلا في النهار ..

أيها الفراغ الكبريتي المزاج لن أعترف بأبوتك للمكان، لا تحسبني دونتيشوكي الأنفاس لأحاربك ؟ هيا تلثم بأي قناع وتعال إليّ وسترى مني ما يسوءك.. أما وأنت سافر وجهك القبيح بهذا الشكل فلن تظفر مني بشرف المبارزة، هيا قدّم استقالتك من التفرغ لي والتحق بالخدمة الإجبارية نحو المتسكعين عل أرصفة الاحتراف..تراجع فما زالت بيننا الأيام التي تجرحني وتجرحك، تراجع وإلا أثرت عليك عاصفة ترابها من غبار مقبرة عائلتنا العريقة في اللامبالاة، بالله عليك تراجع حتى لا تخسر صداقتي ..

عبد القادر صيد/ بسكرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق