العمود

الفضيحة

مما راق لي من نصائح بعض الحكماء قول أحدهم إذا أردت أن تلفت انتباه شخص ما إلى كلامك فاجعل عبارة “نحكيلك حاجة بصح تقعد بيناتنا” مقدمة الحديث، وهذه النصيحة لم تتولد لدى قائلها إلا من خلال دراسة معمقة للمجتمع الذي قيلت فيه النصيحة، إذ أنه لم يقل ما قاله إلا بعد أن تأكد بأن أغلبية الناس في المجتمع باتت تصر على سماع الأخبار الحصرية خاصة منها التي تتعلق بفضيحة أو شيء لا يليق كشفه وفضحه، وفي هذا الصدد لا ننكر أن الحديث عن الفضائح قد أصبح أكثر الأحاديث التي تنال النصيب الأكبر من التركيز لدى المتحدث والمستمع، فالتلذذ بالحديث عن الفضائح وسماعها أو الإطلاع على تفاصيلها أصبح الشغل الشاغل لفئة كبيرة من الناس في المجتمع على عكس الأحاديث في مجالات أخرى مهمة وذات فائدة.
نظريات الإعلام اليوم تختلف باختلاف رؤية الوسيلة الإعلامية وسياستها وباختلاف ذهنية الجمهور وميولاته وطريقة تفكيره التي تسعى أية وسيلة إعلامية لأن تنتهج سياستها بناء عليها، وفئة كبيرة من الجمهور بطبيعة الحال يمكننا إطلاق تسمية “الفئة العامية” عليها وهي التي تحوي جمهورا “تابع” ينقاد بكل عفوية وبدون أية مقاومة وراء أي خبر أو أي برنامج تعرضه وسائل الإعلام، ويستقبل أية رسالة من المصدر مهما كانت تفاهة وساذجة بلا معنى، والغريب أن هذا النوع من الجمهور يمكن تصنيفه على أنه الجمهور الفعال بالنسبة للوسيلة الإعلامية، فهو الجمهور الذي يتفاعل معها ويتجاوب مع كل ما تعرضه بل وتصبح أفكاره رهينة لسياسة الوسيلة الإعلامية أو المصدر، وعلى الأغلب هو الجمهور نفسه الذي تطبق عليه نصيحة الحكيم من طرف المصدر، فهو أكثر فئة تنجر وراء كل ما له علاقة بمصطلح الفضيحة و”كشف المستور”.
أغلب المصادر الإعلامية الآن سواء تعلق الأمر بوسائل الإعلام المعتمدة من قنوات وجرائد خاصة أو الإعلام الجديد من صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أغلبها يعتمد على الفضيحة وكشف المستور كنظرية للسيطرة على أكبر فئة ممكنة من الجمهور والتي تصنع بها رأيا عاما، وما يجب أن نعترف به هو أن الأغلبية من الجمهور والمواطنين في المجتمعات العربية عامة والمجتمع الجزائري خاصة أصبحت تنساق وراء المصادر التي تعتمد على الفضيحة كمادة أساسية في سياستها وكذا مصطلح “كشف المستور”، والمهم بالنسبة لهذه الفئة ليس كشف الفساد و المفسدين، ولا الإطلاع على المشاكل التي تنخر بيوت الجزائريين لأن كل هذا بات واضحا منذ مدة، لكن الجديد في الموضوع هو الرغبة في رؤية ما ليس مباحا رؤيته، والدليل أن أكثر البرامج التلفزيونية تحقيقا لأكبر نسبة مشاهدة والمنشورات الأكثر جذبا لمرتادي مواقع التواصل الاجتماعي هي البرامج والمنشورات التي تعرض الفضائح صوتا وصورة أو التي تتحدث على الأقل عن تفاصيلها، وتأتي في الدرجة الثانية المواضيع التي تبرمج وتصنف على أنها “أسرار”، ولكي يتأكد أي شخص من هذا الكلام، فما عليه سوى أن ينشر موضوعا معنون بـ”الفضيحة” وموضوعا آخر بنفس المضمون لكن بتغيير العنوان إلى “اقرأ” وسيتأكد أن الموضوع الأول هو الأكثر مقروئية من الموضوع الثاني، لهذا فإن مشكلة الجمهور اليوم ليست فيما تنشره وسائل الإعلام ولا في تخطي بعض الصفحات للخطوط الحمراء القانونية والأخلاقية بل المشكلة الأكبر تكمن في أن الأغلبية من الجمهور هي من تتحكم في استمرارية التمادي في تخطي المصادر للخطوط الحمراء.

حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق