العمود

الفــرق

وجب الكلام

الحنين إلى خطاب سياسي رصين يجعلنا نعود في كل مرة إلى الأرشيف ونستحضر مداخلات المناضل عبد الحميد مهري والمناضل سليمان عميرات وغيرهما من قامات السياسة والنضال من أجل قضايا معينة، والحقيقة هي أننا نتألم كثيرا في كل مرة نعود فيها إلى أيام كانت الجزائر نقطة توافق واتفاق وإن اختلفت الايديولوجيات والأفكار فإنها تبقى القضية التي لا يختلف عليها اثنان، ليس هذا فقط، بل حتى الاحترام للشعب والجمهور كان سائدا، حتى أن عبد الحميد مهري رحمه الله مرة طلب من صحفي بجريدة ناطقة بالفرنسية أن يطرح أسئلته باللغة العربية التي يفهمها الجزائريون كي يتمكنوا من استيعاب الحوار، إذن، فمناضل وسياسي بهذا الذكاء وبهذه الرزانة لابد وأن نبكي حكمته وشخصيته ومبادئه كلما استحضرنا خطاباته ومداخلاته التي كان يصب جلها في مصلحة الجزائر والجزائريين بعيدا عن “الشعبوية” والمصالح الشخصية الضيقة.
المؤسف والمؤلم اليوم هو أن تصبح التكنولوجيا بمثابة وسيلة للسفر عبر الزمن، تنقلنا في “لحظة” من زمن كان للسياسة فيه رجال ومناضلون وإن كنا نخالفهم في الأفكار والتوجهات إلا أنهم يدفعوننا بل ويضطروننا إلى احترامهم، تنقلنا قلت من زمن “المناضلين” إلى زمن فعلت فيه الشعبوية أو بالأحرى “خطابات الشارع” فعلتها لدرجة أن نصبح مجبرين على وضع السماعات كي لا يسمع “أهل البيت” ذلك الكلام الخادش للحياء الذي ينطق به شخص يقال “أنه مترشح للرئاسيات”.
من بين ما قاله من قيل أنه مترشح للرئاسيات أثناء نزوله ضيفا على صحفي في حصة تلفزيونية أنه كان سيقدم “الشورط” لوزير الصناعة كرد على تصريحه بأن الجزائر ستقوم بإنتاج أول سروال في 2019، وأثناء تساؤل الصحفي عن المغزى من هذا التصرف لم يستطع من قيل أنه مترشح للرئاسيات أن يجيب فتلعثم وأصبح يتمتم كتعبير على أنه “يهترف” ولا يرجو من تصرفاته سوى التهريج، وفي تصريح آخر سافر من قيل أنه مترشح للرئاسيات إلى السجون وقال أن السجناء يلبون احتياجاتهم البيولوجية باستغلال “القطط”، صدقوا أو لا تصدقوا، هذا كلام من يطمح لأن يكون رئيسا، ولا شك أنه مولع بأفلام الفنان المصري عادل إمام لدرجة أنه اقتبس المشكلة التي وعد بحلها من “فيلم بوبوس”، واقتبس طريقة نضاله وصراخه من الأفلام الكرتونية التي تأثر فيها بالقط مشمش وبشبش وغيرهما.
صديق القطط والهررة، لم يتوقف عند هذا الحد من التفاهات والكلام “الشوارعي” ففي آخر محطة له بولاية باتنة قال في إحدى تصريحاته “السوبريفي مزوج بالمير”، فبربكم هل هذا خطاب شخص يطمح لأن يكون رئيس جمهورية؟ لا أظن أن شخصا عاقلا مهما كان ناقما على ما آلت إليه البلاد سيقبل أن يكون “المهرج” وصاحب الألفاظ السوقية ممثلا له في الهيئات الدولية ولا حتى الوطنية، فأنا متأكد من أنه في أول فرصة سانحة سيمسح بمكانة وسمعة الجزائر ومنصب رئيس الجمهورية الأرض، فكيف لمثل هذا “الانسان” أن يخلف رئيسا تمكن بفضل دبلوماسياته أن يكون أصغر وزير خارجية في زمانه؟
أن نكون معارضين للأوضاع التي تعيشها البلاد لا يعني أبدا أن نرضى بالمهرجين بديلا، ولا يعني ذلك أن نقبل بأن يكون منصب رئيس الجمهورية “رخيصا” لدرجة أن يطمح إليه “من هب ودب” ويمثلنا من خلاله “مدمنو الأفلام الكرتونية”، ولا يمكن أن نسمح بأن تنتقل السلطة من “دبلوماسي صاحب خطاب” إلى “شعبوي سوقي” مهمته “الهدرة برك”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق