العمود

الفيستة

وجب الكلام

كنت صغيرا عندما راجت موضة معطف كان يسمى آنذاك “فيستة دوبل كول” أو “دوبل فاس”، بمعنى أن المعطف كان بالإمكان ارتداؤه بوجهيه المختلفين، أي أن الشخص الذي يحصل على هذا المعطف العجيب كان شخصا محظوظا لأنه لا يحتاج لشراء معطفين طالما أن بإمكانه الظهور بمعطف جديد بمجرد قلب الوجه الأول، وربما لا يحتاج حتى إلى غسله “فبمجرد” أن يتسخ وجه المعطف الأول يقلبه إلى الوجه الآخر النظيف، ومن محاسن الصدف أن هذا المعطف ظهر فترة قصيرة بعد إقرار التعددية الحزبية في الجزائر.
ولأنني كنت معجبا كثيرا بالمعطف العجيب فقد كنت ألح على والدي باقتنائه لي لكنه رفض جملة وتفصيلا وأخبرني أنه بإمكاني اقتناء معطف “على ذوقي” مهما كان ثمنه شرط أن أتنازل عن قرار اقتناء المعطف “ذو الوجهين”، ولم أفهم حينها سبب رفض والدي المطلق لذلك المعطف رغم أنه كان رائجا آنذاك ورغم أن الكبار والصغار كانوا قد تهافتوا عليه حتى أصبح سلعة نادرة في المحلات والأسواق.
امتثلت لأوامر والدي وحذفت فكرة المعطف العجيب من رأسي، لكنني بقيت أفكر في السبب الذي دفع بأبي لأن يرفض الفكرة بل ويكره المعطف أشد الكره، فمرت السنوات حتى بدأت أتلقف بعض المصطلحات السياسية فالتقطت مصطلح “قلب الفيستة” والذي يعني في كثير من المواضيع والقضايا خاصة السياسية “الخيانة” وتغيير الوجهة والقناعة والمبادئ من أجل غاية ما، فأدركت حينها أن والدي كان يرفض فكرة المعطف “ذو الوجهين” لأنه كان يعي جيدا بأن قلب المعطف يعني التمرس والتمرن على “قلب الآراء والقناعات” ولأنه كان يرغب في تربيتي على اقتناء معطف واحد “ثمين” ولا أطمح أبدا لمعطف أقلبه متى أشاء حسب الأهواء والمزاج.
مرت السنوات أيضا، وشهدنا تطورا في كل شيء حتى في الأفكار والسياسة وأساليب التعامل حتى بات مفهوم “قلب الفيستة” طريقة بالية للتعبير عن موقف سياسي، وأصبحت “الفيستة” حى دون أن تكون “دوبل فاس” مصطلحا يعبر عن الدخول في “الصف” ويعبر عن “الموالاة” لجهة معينة في السلطة”، فبمجرد ظهور شخصيات “من السلطة” بسترة ذات تفاصيل معينة حتى بات الجميع يتهافت على اقتناء سترات أو معاطف مشابهة حتى وإن كانت أقل جودة وأقل ثمنا، فالمهم هو الظهور بمظهر “السلطة” بمجرد “ارتداء الفيستة”، لهذا فأظن أنه يكفي لسياسي ما أن يرتدي “فيستة” ما حتى يتمكن من إحصاء مسانديه من خلال ملاحظة نسبة انتشار “الفيستة” بين العامة، حتى وإن كانت قيمة سترة السياسي بالأورو وسترة “الموالي” له “سلعة ديشي”.

حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق