إسلاميات

القرآن الكريم اجعله ونيسك في الدنيا ليكون نورك في الآخرة

قال تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} سورة الحشر الآية 21

إن المقصود هاهنا أعمق من مجرد ضبط التلاوة وإتقان الأداء إن السؤال عن الكيف بحث في الحال القلبي والوجداني الذي ينبغي أن يعتري المؤمن وهو يقرأ القرآن الكريم إنه بعبارة أدق: كيف نقرأ القرآن والسعادة تغمر قلوبنا والسكينة تنزل عليها ومحبة الله رسوله تحييها؟ كيف تكون قراءتنا للقرآن سببا لانشراح الصدر وطمأنينة القلب؟ والحقيقة أن هذه الحال الشريفة لا سبيل للعبد إليها إلا أن يجود الحق سبحانه وتعالى بفضله ونواله، لذلك أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل القرآن حياة القلوب و وطمأنينتها، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي”، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا دعاء نتوجه به إلى المولى عز وجل لكي يحيي قلوبنا بالقرآن وينير صدورنا بتلاوته وتدبّره ويُذهب همومنا ببشاراته وقد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالربيع أي بالمطر الذي يحيي الله به الأرض الميتة فتنبت من كل زوج بهيج، فكذلك القرآن العظيم هو حياة للقلوب التي يتهددها الموت وإن كان أصحابها يمشون على الأرض، وهو النور الذي يضيء الصدور فتبصر به الحق حقا والباطل باطلا، وهو سبب السعادة والفرح التي تغمر باطن الإنسان بعد أن شوشت عليه الغفلات والوساوس والفتن، وأحزنت قلبه بهموم الدنيا المنغصة.

 

إقرأ القرآن كما لو أنزل عليك

إن سعادة المؤمن بكتاب الله عز وجل آتية من كونه يتلو كلام رب العالمين ويسمع آياته التي أنزلها على أفضل خلقه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وبعثه بها لهداية الناس إلى الصراط المستقيم وإلى معرفة الحق سبحانه والتقرب إليه ومحبته والتودد إليه، إننا نقرأ كلام الله؛ نتعرف وصاياه وشرعه الذي ارتضاه لنا وجنانه التي شوقنا إليها وقصص أنبيائه ومصائر الأقوام قبلنا وسننه في خلقه، ويزداد تعلق العبد بكتاب الله عز وجل وتعظم فرحته عندما يستشعر أن الله تعالى يخاطبه ويوجهه وينير له الطريق وسط ظلمات الفتن ليميز بين الحق والباطل.

إن الناس عادة لو كلمهم بشر مثلهم ممن لهم مكانة في المجتمع أو لهم سمعة أو جاه لأحسوا بالفرحة الغامرة ولما توانوا في حكايتها للقريب والبعيد، فكيف بالعبد الفقير الضعيف الفاني يخاطبه الله عز وجل الكريم الوهاب مالك الملك سبحانه، فلو تأمل المؤمن هذه النكتة اللطيفة وهو يقرأ القرآن لأقبل عليه بنهم وشغف ولذلك قال سيدنا الخباب بن الأرت: ” تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تـتقرب إلى الله تعالى بشيء هو أحب إليه من كلامه” وقال سيدنا عثمان بن عفان: ” لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم ” إنه كلما تطهر القلب وتنور وتزكت النفس وصفت إلا وعاش المؤمن مع القرآن لحظات الأنس والسكينة والطمأنينة والسعادة والفرح بالله، جاء أحد المريدين إلى رجل من العارفين يريد أن يصحبه ويتتلمذ على يديه فسأله الشيخ: أتحفظ القرآن؟ قال: لا فقال الشيخ: المؤمن لا يحفظ القرآن بم يتنعم؟ فبم يترنّم؟  فبم يناجي ربه تعالى؟، كانوا رحمهم الله يجدون اللذة والنعيم بين أحضان كتاب الله عز وجل، وما أروع الحكمة التي أوصى بها الشاعـر أبوه عندما رآه يقرأ القرآن بشرود وغفلة: “اقرأ القرآن وكأنه أنزل عليك ” أي أنت أيها القارئ للقرآن المقصود ببشارته ونذارته، الموجَّه إليه أمره ونهيه، المعنيُّ بإشاراته ولطائفه، المعتبِرُ بقصصه.

وهاهو الفضيل بن عياض رحمه الله يعزم على اقتراف الذنب – قبل توبته – فإذا به يسمع تاليا يتلو: ” ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله” فيجيب فور سماعها: بلى يا رب، قد آن.. لقد أحس أنه المخاطب المباشر بتلك الآية في تلك اللحظة وذلك الآن، فكان التأثر وكانت الاستجابة الفورية وقد كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم سمع امرأة تبكي وتردد قول الله تعالى: “هل أتاك حديث الغاشية فأخذ يبكي معها ويقول: ” نعم أتاني، نعم أتاني”.

عبد الرحمان بن الطاهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق