إسلاميات

القرآن الكريم ونيس الصائمين وزاد القائمين

قال تعالى: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} سورة الأنعام الآية 92

في رمضان يقبل كثير من الناس على كتاب الله تعالى: قراءة، وحفظا، وأحيانا تفسيرا وتدبرا وما ذاك إلا لأن رمضان موسم للخيرات، تتنوع فيه الطاعات، وينشط فيه العباد بعد أن سلسلت الشياطين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران.

والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباط محكم وثيق، ففي أيامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروح الأمين بالقرآن العظيم؛ ليكون هدى للناس وفرقانا، قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

وفي رمضان كان جبريل يدارس رسول الله القرآن فالحديث عن القرآن في رمضان له مناسبته، وله خصوصيته، لا سيما مع إقبال الناس عليه.

إن القرآن شفاء ورحمة، وطمأنينة وأمان، وشفاء من الحيرة والقلق، والحزن والنّكد والوسوسة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30].

ويأخذنا الحديث عن بدايات نزول القرآن على خير البشرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ففي ليلة السابع عشر من رمضان، والنبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره، أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  “ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرَأْ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئٍ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ [العلق: 1 – 3]، فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرجفُ فؤادُه؛ البخاري.

وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم في شهر رمضان العظيم، وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء.

 

وجه الارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم

في رمضان يجتمع الصوم والقرآن، وهذه صورة أخرى من صور ارتباط رمضان بالقرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان؛ يشفع له القرآن لقيامه، ويشفع له الصيام لصيامه؛ قال صلى الله عليه وسلم:  “الصيامُ والقرآن يشفعان للعبد يومَ القيامة، يقول الصيام: أَيْ ربِّ، منعتُه الطعام والشهوات بالنهار؛ فشَفِّعني فيه، ويقول القرآنُ: ربِّ، منعتُه النومَ بالليل؛ فشَفِّعني فيه؛ فيشفعان “؛ أحمد.

وعند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “يجيءُ القرآن يومَ القيامة كالرجلِ الشاحب، يقول: أنا الذي أسهرتُ ليلَك، وأظمَأْتُ نهارك “.

ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا مرتلا؛ ولذلك استحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة.

وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع؛ منهم قتادة وبعضهم في كل عشر، وكل هذا التطويل والقيام من أجل تلاوة القرآن، وتعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن.

ونحن في شهر رمضان الكريم ينبغي علينا أن نعتني بالقرآن، وأن نقبل على قراءته، والمقصود هو الاجتهاد بذلك عن بقية الشهور، وإلا فالواجب أن نعتني بالقرآن طوال العام، ولكن يسن في رمضان أن نجتهد في قراءة القرآن؛ ولهذا كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وفي السنة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وسلم دارَسَه مرتين، وهذا حال السلف الصالح في رمضان فكانوا يوقفون الدروسَ العلمية في رمضان، ويُقبلون على قراءة القرآن.

لذا فاحرصوا على تدبر القرآن وفهمه وحفظه، واحذروا هجره بترك قراءته وتدبره، فهو سبب للحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

محمود الحاج

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق