إسلاميات

القصاص حكم الله العادل بين عباده

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيٰوةٌ يّٰأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة الآيتين 178 – 179.

 يقول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يّٰـٓأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (سورة البقرة: 179).

فسرها الإمام الرازي في ” مفاتيح الغيب”: «إنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة؛ لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلا، وفي حق من يراد جعله مقتولا وفي حق غيرهما أيضا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلا؛ فلأنه إذا علم أنه لو قَتَلَ قُتِلَ ترك القتل فلا يقتل فيبقى حيا، وأما في حق من يراد جعله مقتولا؛ فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما؛ فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعا زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل.

الوجه الثاني في تفسير الآية: أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك؛ لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ، فكان القصاص نفسه سببا للحياة من هذا الوجه ، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مختص بالقصاص الذي هو القتل ، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك؛ لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سببا لبقائهما؛ لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضا فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية؛ لأن الجارح لا يأمن أن تؤدي جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود ، فخوف القصاص حاصل في النفس .

الوجه الثالث: أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل؛ لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية».

ولهذا كانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل، قتل البعض إحياء للجميع.

لكن لفظ القرآن الكريم أفصح في التعبير والبيان وأجمع للفوائد: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ).

وعليه ففي القصاص حياة؛ لأنه إذا عَلِمَ القاتل أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ أمْسَكَ عن القتل وفي ذلك حياة القاتل والمقتول.

والعقوبات كما يقول أهل العلم: (موانع قبل الفعل زواجر بعده).

وقتل النفس جريمة كبيرة: قال الله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (سورة المائدة: من الآية 32).

وقال عز من قائل: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (سورة الإسراء: 33).

فالأصل في القتل التحريم؛ لكن جواز القتل استثناء مشروط لا يجوز إلا بحق؛ والحق هو شريعة القصاص التي وضعت للحفاظ على سلامة الأرواح.

لذلك شرع الله تعالى القصاص: (النفس بالنفس) بمعنى قتل النفس ظلما يواجه بقتلها قصاصا..فعقوبة القصاص ليست ثأرا ولا انتقاما ولا حقدا بل هي تطبيق لشرع الله تعالى بشروطها وضوابطها ووسائل إثباتها وإقرارها.

 

هدف القصاص في الإسلام

إن العقوبة في الإسلام هدفها حفظ المصالح العامة والفردية في المجتمع تلك العقوبات التي تستمد شرعيتها من النصوص القطعية.

قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيٰوةٌ يّٰأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: 178-179).

ونزلت الآية الكريمة في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عُمِّيَّة، فقالوا: نقتل بعبدنا فلانَ بن فلان، وبفلانة فلانَ بن فلان، فأنزل الله الآية.

وبعد تلك الآية الكريمة نزل قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّٰلِمُونَ)(سورة المائدة:45). أي فرض عليكم المساواة والمماثلة في القتل والجراحات والديات… تقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر، وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى.

وقال الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (سورة الإسراء:33).. فمن قتل مظلوما فلوليه أن يطلب القصاص من القاتل، دون أن يتجاوز الحد المشروع كأن ينتقم من أقاربه أو غير ذلك.

والإسلام يحترم النفس الإنسانية لا يفرق بين نفس المرأة ولا الرجل ولا الطفل، الكل سواسية…

وعقوبة الإعدام في شريعة الإسلام تختلف عن عقوبة الإعدام في القوانين الوضعية… ولا ننسى أن العقوبات في الإسلام تدرأ بالشبهات، فليس الإسلام متعطشا لقتل الأنفس؛ ولكنه شرع العقوبات والقصاص والحدود حفاظا على سلامة حياة الناس…

أضف إلى ذلك أن الله تعالى الذي خلق الإنسان ووهبه الحياة وحافظ عليها هو الذي شرع القصاص منها عندما تعتدي على حياة مماثلة لها، وإقامة الحد يشمل جميع المجرمين لا ينفذ على المستضعفين فقط.

فلا مجال لإلغاء القصاص فهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والأئمة بلا خلاف، وعليه إجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين… لا يتغير بتغير الزمان والمكان فكتاب الله تعالى صالح لكل زمان ومكان.. وشريعة الإسلام إلهية المصدر لا يعتريها النقص ولا النسيان، على عكس القوانين الوضعية التي يضعها البشر لأنفسهم، والبشر من طبيعته النقص والنسيان.

قال الله تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْـمَثُلٰتُ)(سورة الرعد: الآية 6) والمثلات من المثال بمعنى القصاص، أي العقوبات مماثلة للذنوب والآثام، والمثلات هي العقوبة الشديدة الفاضحة التي تنزل بالإِنسان فتجعله مثالاً لغيره في الزجر والردع: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)(سورة النحل، الآية: 126).

د. رشيد كهوس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.