تحقيقات

القمح اللين بالجزائر بين الإجرام الاقتصادي والإجرام الصحي

هل ستتخلص الجزائر من أغلال التبعية وما نجم عنها من مخاطر؟

أثارت قضية “القمح المغشوش” أو “القمح المسموم” الذي استوردته الجزائر منذ قرابة شهر من دولة ليتويانا حفيظة الرأي العام والخاص، وأثارت بلبلة على مستوى كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية لتعجل بإنهاء مهام المدير العام للديوان الجزائري للحبوب عبد الرحمن بوشهدة من طرف وزير الفلاحة والتنمية الريفية عبد الحميد حمداني وبقرار من الوزير الأول عبد العزيز جراد، وهي السقطة الاقتصادية التي أطلق عليها بعض الخبراء اسم “الإجرام الاقتصادي” التي فتحت باب التساؤل في عديد الظروف والأسباب والمسببات لتورط الاقتصاد الوطني بمثل هذه الصفقات من جهة، ومدى قدرة الإمكانات التي تحوزها وتتميز بها على تخليصها من التبعية في شعبة القمح خاصة اللين بالذات الذي أهلها لتكون من أكبر الدول الأكثر استهلاكا واستيرادا له في العالم.

 

30 ألف طن من القمح المغشوش تفجر باب التحقيقات….

كشفت نتائج التحقيقات الأولية التي تم إجراءها على عينة من شحنة القمح اللين التي استقبلتها الجزائر منذ أكثر من شهر من دولة ليتوانيا بان “القمح مسموم” ويحتوي على مواد كيماوية ستجعل منه غير قابل للاستهلاك بل سيشكل استهلاكه خطرا على صحة الإنسان، وفتحت النار على عديد الجهات وهي تثير تساؤلا مريبة حول حقيقة ومدى نجاعة الأجهزة الرقابية التي سمحت بتمرير مثل هذه المواد بمختلف تخصصاتها، وفي نفس الوقت أثارت قضية استيراد القمح التي لازالت تشكل علامة استفهام بالنسبة للجزائريين منذ عقود من الزمن.

خاصة أن الجزائر تعد من أهم الدول الداعمة لهذا النوع من الشعب وتنتج سنويا فائضا منه أين سجلت سنة 2018 إنتاجا قياسيا قدر ب 60,5, مليون قنطار منها 31 مليون قنطار قمح صلب و 7,9 مليون قنطار قمح لين، كما قررت سنة 2019 توقيف عمليات استيرادها بعد أن رفعت نسبة إنتاجها بما يفوق6 بالمائة واجمع الخبراء في الشؤون الاقتصادية أنها قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح والشعير كما أن الإمكانات التي تملكها الجزائر تؤهلها إلى توسيع مساحات زراعة القمح اللين.

حيث توجه مختصون في الاقتصاد والفلاحة إلى طرح تساؤلات عديدة ليست بالجديدة ارتبطت و تمحورت في مجملها حول أسباب تورط الجزائر بالتبعية في مجال استيراد القمح اللين على وجه الخصوص، الذي تحول إلى هاجس يرهق كاهل الخزينة العمومية بعد أن تجاوز حجم استيراده 4,7 مليون طن في حين لم تتجاوز قدرته الإنتاجية ال0,7 مليون طن خلال سنة 2019.

 19 سنة من الاستيراد العشوائي للمواد الفلاحية …

انتقد رئيس اتحاد الفلاحين الجزائريين محمد عليوي الطرق والأساليب التي يسير بها القطاع الفلاحي، خاصة ما تعلق بالاستيراد العشوائي للمواد الفلاحية على رأسها القمح الذي يعد مادة حيوية، مؤكدا أن الجزائر قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه الشعبة وغيرها من الشعب وربط هذا الوضع بالاستقلال الوطني الذي يعد غير كامل “مادمنا نستورد لوازم مطبخنا” إضافة إلى أن الاستقلال الاقتصادي يرهن الاستقلال السياسي حسبه.

فالتوجه نحو استغلال واستصلاح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في الشمال قبل التوجه إلى الجنوب، أي تسخير واستغلال ما هو متاح ومتوفر قبل التوجه نحو استصلاح الأراضي البور التي باتت تكلف الخزينة هي الأخرى أموالا طائلة، صار أمرا ملحا حسب بعض المهندسين الزراعيين الذين أكدوا أن الجزائر بإمكانها تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال إنتاج الحبوب دون اللجوء إلى الاستيراد إذا ما تم إتباع استراتيجيات فلاحية مدروسة تسخر كل ما هو متوفر ومتاح وبتكريس التكنولوجيات العصرية في هذا المجال وبالتالي تطليق عمليات الاستيراد العشوائي لمختلف المواد الزراعية وخاصة ذات الاستهلاك الواسع والتي يعتبرها الجزائريون “قوتا لهم”.

الشعب الجزائري يبذر الخبز ويرهق كاهل الخزينة…

بلغت نسبة استهلاك الخبز بالجزائر مستويات خطيرة قد تكون بمثابة إجابة شافية للتوجه الكبير نحو استيراد مادة القمح اللين من طرف الحكومة، حيث قدر معدل الاستهلاك اليومي للخبز ب 10 ملايين خبزة أي ما يعادل 3600 مليار سنتيم سنويا، الأمر الذي وضع الحكومة التي وجدت نفسها في مواجهة نزيف حاد لاحتياطي الصرف إلى اتخاذ إجراءات جديدة السنة الماضية تقتضي تقليص كميات القمح الموجهة للمطاحن ب 40 بالمائة، ورفع سعر شراء القمح اللين من الفلاحين وإقرار دعم إضافي في هذه الشعبة خاصة بالنسبة لفلاحي الهضاب العليا والجنوب من اجل خلق زيادة في الإنتاج وتحسين مستوى التجميع لكنها ظلت ضعيفة التطبيق.

كما أثار التوجه الحديث في الاستهلاك اليومي للمواطن الجزائري إلى رفع نسبة استهلاك القمح اللين مقارنة بالتوجه التقليدي الذي كان يعتمد على القمح الصلب، لصناعة ما يعرف بالخبز المركز أو “الكسرة” بالمفهوم التقليدي” لكن المواطن اليوم وجد في مادة “الفرينة ضالته” لصناعة مختلف أنواع الخبز والحلويات والمعجنات ليزيد من نسبة استهلاكه لها يوميا إذ تثبت كميات الخبز المستهلكة والتي يتعرض جزء كبير منها إلى التبذير مدى توجه الجزائريين إلى استهلاك القمح اللين بشكل كبير الأمر الذي وضع الخزينة العمومية تحت رحمة الاستيراد في ظل التوجه التقليدي في زراعة الحبوب والتركيز على القمح الصلب منها.

تكثيف زراعة القمح اللين والتخفيف من التوجهات الفلاحية القديمة…

بعد نجاح تجارب عديدة في زراعة القمح اللين في الجنوب على غرار التجربة التي حققتها إحدى المزارع النموذجية بالمنيعة بغرداية، والتي تمكنت خلال الموسم الماضي من إنتاج القمح اللين بمردود قدر ب 90 قنطار في الهكتار الواحد بعد تشجيع من السلطات للفلاحين وإقناعهم بضرورة تغيير التوجه الفلاحي التقليدي الذي يركز على زراعة القمح الصلب دون غيره،  والنظر بجدية في حاجيات الاقتصاد الوطني. أين مست هذه التجربة 188 هكتار اعتمد فيها الفلاحون على تطوير الزراعة واستخدام التكنولوجيات الزراعية الحديثة، كما ابدوا استعدادهم لتوسيع هذه الشعبة التي أرهقت وارداتها كاهل الخزينة وبالتالي التخفيف من عبء التبعية الخارجية أيا كان نوعها ومصدرها.

كما أكد خبراء ومختصون في الاقتصاد أن قدرات الجزائر في إنتاج القمح الصلب كبيرة جدا مقارنة بالقمح اللين الذي يعد دخيلا على النمط الغذائي الجزائري ومن ثم على النمط الفلاحي منذ الاستقلال تقريبا، لكن ذلك لا يمنع من تطوير وتوسيع المساحات المزروعة منه وخاصة بعد النجاحات الكبيرة التي حققها الفلاحون في عديد المناطق الفلاحية بالبلاد.

ويتحكم هاجس “الربح” و”التوجهات القديمة” في توجيه عادات الفلاحين الزراعية التي اندفعت بشكل كبير نحو إنتاج القمح الصلب الذي يقدر ثمن اقتناءه من طرف تعاونية البقول والحبوب الجافة الـ 4500 دج في حين لم تثمن اقتناء القمح اللين من طرف ذات المصالح الـ 3500 دج، ليسيطر جانب المادة هنا على العقليات البسيطة فيؤثر على جوانب معقدة ويتسبب دائما في تراجع حجم إنتاج القمح اللين مقارنة بالصلب.

فرغم سهولة إنتاجه وارتفاع مردوده لا يزال القمح اللين يشكل عقدة الفلاح الجزائري الذي يبحث عن الدعم والربح ما يستوجب تغيير استراتيجيات الدعم التي تكرسها الدولة، وتليينها مع هذه التوجهات والرغبات خاصة على مستوى عديد المناطق التي تقل فيها المساحات المسقية، حيث ستعمل تلك التسهيلات والتحفيزات على دفع الفلاح الجزائري لإنتاج القمح اللين وعدم إهماله مقارنة بالقمح الصلب، وبالتالي تغيير الذهنيات والعقليات القديمة التي أغفلت جانبا مهما هو الاستهلاك الكبير لمادة القمح اللين واستيرادها بشكل خطير.

هكذا تحولت قضية استيراد القمح إلى جريمة صحية واقتصادية..

تسببت لهفة المستهلك الجزائري على مادة القمح اللين في الكثير من الأزمات منها ما حدث منذ أكثر من شهر بعد تورط الجزائر في ما أطلق عليه المختص الاقتصادي مسدور فارس “إجرام اقتصادي ” بعد استيراد قمح مسموم مرشوش بمواد كيماوية خطيرة كان موجها للاستهلاك، وتساءلت كافة الأطراف عن سبب هذه السقطة التي تحولت إلى فضيحة هزت المجتمع الجزائري وسلطت الضوء على الكثير من الجوانب الاقتصادية في مجال الاستيراد الذي تحول إلى نقطة سوداء في الاقتصاد الجزائري المثقل بالأخطاء والثغرات.

فتحولت عملية استيراد لمادة هامة يعتبرها الجزائريون قوتا يوميا لهم إلى جريمة في حق المستهلك وحق الاقتصاد أمر يستدعي فعلا دق ناقوس الخطر وفتح تحقيقات موسعة ليس بشان هذه العملية فقط وإنما في مختلف المنتجات الاستهلاكية والغذائية التي تدخل البلاد برا وجوا وبحرا، لتضع المستهلك الجزائري تحت رحمة سموم أجنبية الصنع واستغلال خارجي وأكثر من ذلك تقيده بأغلال التبعية التي أرخت بظلالها على كافة جوانبه الحياتية ووضعته في موضع الشد والمد بين احتياجاته ومدى مسؤوليته في تقليص فواتير الواردات والتخفيف من ثقل كاهل الخزينة العمومية.

فمن جانب الصحة كان القمح المغشوش سيتسبب في كارثة صحية لا تحمد عقباها وقد تتخفى بين ثنايا الخبز فلا يعرف لها سبب أو مصدر أو حل بعد أن تختلط الأوراق وتتناحر المسؤوليات من قمة الهرم إلى غاية قاعدته، كما أن التوجه الرهيب والكبير للمستهلك الجزائري للقمح اللين أو ما يعرف بالفرينة إنما هو خطر صحي في حد ذاته قد يجهله الكثيرون، باعتبار ان هذه المادة أهم مسببات أمراض الجهاز الهضمي والسكري ففيه من الخطورة على صحة الإنسان ما يدفعه فعلا لإعادة النظر في كمية وحجم استهلاكه مقارنة بالقمح الصلب ولعل ذلك ما دفع ببعض الدول إلى تطليق استهلاكه بعد أن تبين أن تكلفته الزهيدة تأخذ بصحة صاحبه إلى مشاكل صحية عديدة.

فالمخاطر التي تنجم عن استهلاك القمح اللين بهذا الشكل الرهيب أو بغيره من الإشكال يجب أن تكون فعلا محفزا قويا وسببا وجيها لتغيير النمط الاستهلاكي للجزائيين بخلق ثقافة استهلاكية سليمة في ظل الانتشار الكبير والرهيب للأمراض التي يتسبب فيها، علما أن الجزائر تسجل تزايدا سنويا في عدد حالات الإصابة بالسكري والأمراض الهضمية الخطيرة والمزمنة تستوجب فعلا تحسين الغذاء وبالتالي تحسين الصحة ولما لا تحسين الاقتصاد بعد تخفيف عبء القمح اللين وتطليق فواتير وارداته بشكل نهائي سواء عن طريق توفيره محليا أو التقليل من استهلاكه  رغم أن الأخيرة تعد الأكثر استبعادا.

نوارة بوبير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق