مواسم البوح

الكتابة بالنار (1)

همسة

 

أن يمسك شيطان الكتابة أو يغويك فتنضم وأنت فاقد الإرادة  منصاعا إلى قافلة أولئك الذين يغازلون القلم ويعشقون الحرف، وتنفث آلامك وأحلامك فيها مرة شعرا أو خاطرة ومرة قصة أو رواية، فتلك لعمري أخطر أنواع الاحتراق وأبطئها، فيما يراك فيك الآخرون مبدعا كبيرا أو صغيرا فانك لا يرى في نفسك إلا عود ثقاب بدأ يحترق من هامته. ولعل الكتابة التي تبدو ظاهريا هدوء افتراضيا إنما هي في حقيقتها ثورة وبركان بالداخل، تحرق صاحبها في حين تنشطر بردا وسلاما على قارئ كريم يتمنى أن يقرأ إنتاجك بالتوقيع.

إن أحسن وصف لحال المبدع هو ما كتبه أحدهم قائلا” :أكتب ربّما لأجد نفسي في ركام الحروف، لألقى ذلك الإنسان، الذي لا أراه ولا أتبيّن منه شيئاً. شيء ما أبحث عنه، اليراع له عيون سيسعفني لأجد ما أفتق. الحروف عندي لها جسد وأريج ألمس بعض الكلمات أحيانا، أتحسّسها، أشعر بنفاذها إلى الأعماق، فالكلمات عندي أرى لها فما، عيونا، أنفا، وجها متكاملا، وجميلاً، أراها شيئا حيا، يتنفّس، يفرح، يغضب، يبكي، يجري، والأجمل أنّها لا تقف عند حدود الحواس. أشعر بها تسير في الدم، تسكن القلب، تنير العقل وتصنع الإلهام.

فهل يجوز لنا أن أمام كل هذا، أن نقول لمن امتهن “عذاب الكلمة” هنيئا لك، أم نقول لمن يملك فخامة الكلمات وتنسيق المعاني عظم الله أجرك، ونحن نعلم كم من الآلام والهموم يحمل بين أضلعه.

عبد الحق مواقي

ـــــــــــــــــ

(1) الكتابة بالنار عنوان ديون شعري للأديب الجزائري الكبير عثمان لوصيف وقد وضفته هنا للإشارة الى معاناة الكاتب مع الكلمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق