مواسم البوح

الكتابة رسالة

همسة

يختلف النقاد في تحديد الهدف من الكتابة الإبداعية، هل هو لمجرد المتعة..؟ أم أن الإبداع رسالة موجهة للقارئ تحمل قيما وفكرا..؟.

ويزعم أصحاب المنحى الأول أنّ جعل الإبداع رسالة يقضي على جماليته ويفقده روحه الفنية، ويدخله في التكلف وفي تحميل الإبداع ما لا يحتمل، ويقولون أن الكتابة فن والفن يُطلب لذاته ولا يُقصد به شيئا آخر غير المتعة الفنية، التي تشعر صاحبها بالسعادة والانتشاء الذاتي.

وهذا الكلام نصفه صحيح ونصفه غلط بيّن.. !  الإنسان لا يعيش على الأرض حياة أبدية، وإنما هو فيها ضيف، أو عابر سبيل، ولن يجد سعادته ومتعته الخالصة فيها، ولم ينزل إلى الأرض لتحقيق ذلك، بل حياته كلُّها عبارة عن رسالة وأمانة عجزت عن حملها السماوات والأرض. ولذلك كل عمل يقوم به في هذه الحياة لابد أن يتضمن جانبا أو جزءا من تلك الرسالة، فإذا شعر بأي متعة فنية أو سعادة ذاتية وهو يخط إبداعه فتلك نافلة وغنيمة مزجاة، لا تحل محلّ الأصل والهدف الأساسي الذي يحملون القلم ويداعبون القرطاس أو الحاسوب من أجله.

والأروع من كل ذلك أن يجعل المبدع من الرسالة متعة في حدّ ذاتها، وأن لا يستشعر أنها واجب ثقيل، هناك نظرية رائجة ترفع شعار الفن للفن، والقصد منها أن يخلص الفن من كل غرض مادي أو نظرة ضيقة، وهي بهذا المعنى شيء نبيل، لكن الحذر الحذر أن يكون الغرض من الفنّ هو تقديس الفن وجعله غرضا لذاته كأنّه آلهة تعبد.. الفن في حقيقة الأمر هو رسالة الجمال التي يحقق بها الإنسان الانسجام مع الذات ومع الكون وكل الكائنات، وهي جزء من عمارة الأرض التي خلق الإنسان من أجلها، ولا يكون الفن فوضى تلبي رغبات الذات البهيمية، كما يجعل الغربيون من نحت تمثال عارٍ لامرأة أو رجل هو قمة التعبير عن الجمال، حتى صوَّروا المسيح عليه السلام عاريا كما خلقه الله، واعتبروا ذلك منتهى الإبداع، ولعمري تلك هي الصورة البهيمية التي خجل منها آدم وحواء حين نزع عنهما لبساهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة.

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق