الأورس بلوس

اللي ارجع على الجرّة يتعب؟!

ليس هناك من شعور “واخز” كالندم فهو من أكثر المشاعر إيلاما لارتباطه بـ”لو” التي تفتح أبواب التمني “اليائس” على مصراعيها..حيث يصبح مالا يمكن “إرجاعه” أو “عودته” أو “حدوثه” محلا لكل ذلك، و يرى علم الاجتماع التربوي أن الندم هو الضمير الذي يسكن في “الأنا” العميق ويعمل على بث شحنات “التعذيب” النفسي في حال تجاوزت الأفعال ما هو منطقي ومعقول ومقبول أو بتجاوزهم جميعا..
فالخطأ وسوء التقدير والخطايا والذنوب كلها مدعاة “للندم”..والأسف الزائد على الماضي ومقارنته بالحاضر دون التطلع لما هو آت..والتغني والإشادة بمواقف حدثت لا يمكن أن تتكرر أو أشخاص أو حتى “واقع تم معايشته”… كان لأجدادنا بحكمتهم في ضرب الأمثال موضعا، فقيل ” اللي ارجع على الجرّة يتعب”..فالتعب يعود إلى “انعدام الجدوى” و”الجرّة” معناها “الأثر” الذي نتركه عند السير..وليس المقصود هنا المعنى الظاهر لكلمات المثل وإنما “مدلولاتها” العميقة، فكلمة “الجرة” تدل على طول المسير وبُعْد المسافة ليكون التعب نتيجة حتمية.. وهو كناية عن شدة الندم..
ويعود أصل المثل إلى عجوز أوجعها حال ابنها الذي نهشه الندم فتدهورت صحته وكاد يهلك..فيقال أنه راهن بماله وكل ما يملك من أراض في جلسة قمار.. وقد كان معروفا بسفهه وبذخه وقلة وعيه لعواقب الأمور..وزيادة عن كل هذا عُرف بالتكبر والغرور ما جعله يجازف وهو موقن للربح فتفاجأ بالخسارة الكبرى التي جرّدته من مكانته ومن “زينته”.. فلجأت العجوز “للمدبر” وهو صاحب الكلمة الفصل في الأزمان الغابرة والموثوق في رأيه و”دبارته” بعد أن عجز العشابين عن إيجاد دواء ناجع..فقال لها اذهبي لقبر “منسي” وخذي “كمشة” من ترابه وضعيها في “قربة” الماء التي يشرب منها ولدك وسينسى ما همّه وينجلي عنه إحساس الندم وقولي له “قالك لمدبر” ” اللي ارجع على الجرّة يتعب” ولن تستفيد شيئا..لكن بدلا عن ذلك حاول العمل والاجتهاد من جديد بشرط عدم تكرار أخطاء الماضي..وقد أذعن الإبن واعتبر وتحسنت أحواله..
” اللي ارجع على الجرّة يتعب”..يضرب هذا المثل تحذيرا ونصحا من مغبة الندم والأسف عن ما لا يمكن إرجاعه..و”اللي فات مات” كما قالها أجدادنا في ذات السياق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق