العمود

اللي ما يعرفك يا الخروب

وجب الكلام

إن وعاء الأمثال والحكم في ثقافتنا الجزائرية الشعبية مليء بالعبارات المناسبة لكل موقف والتي جعلت لكل مقام مقال، ولابد أن الإنسان الذي يظهر على عكس حقيقته وعكس ما يبطن لم تستثنه الأقوال والأمثال إذ قيل فيه بلهجتنا العامية “اللي ما يعرفك يا خروب بلادي يقول عليك بنان”، وقيل أيضا في نفس السياق “ماذا يكذبوا نهار يخطبوا”، وهاتين العبارتين تقابلهما في اللهجة الشاوية الأوراسية عبارة “ايمي ذالرفيس اول ذاجريس” أي أن “الفم والمعبر به عن اللسان حلو والقلب جليد”، وهذه العبارات يمكن استعمالها اليوم للتعبير عن واقع السياسة في الجزائر ووصف كثير ممن يدعون أنهم سياسيون ويتخذون من الشعبوية “وسيلة” لبلوغ غايات ما على حساب شريحة واسعة من المواطنين الذين ينساقون وراء العاطفة وخلف الخطابات الرنانة والوعود الزائفة ولا يحاولون في المقابل تحري خلفيات وسِيَر كثير ممن يدعون كونهم سياسيين “ومترشحين” لمختلف المواعيد الانتخابية.
المؤسف في مجتمعنا اليوم هو أن شريحة كبيرة من المواطنين عامة ومن الناخبين خاصة باتت تنساق وراء “الخطابات العامية” وخلف أشخاص لم يقدموا شيئا غير التهريج في مختلف المناسبات والصراخ في شتى المجالس والهيئات تحت مسمى “طايح خشين”، ولم يقدموا شيئا أيضا غير الانتقادات للنظام دون أن يقدموا بديلا مقنعا، بل إن كل الوعود التي يطلقونها في أية فرصة سانحة هي وعود ضمن برامج انتخابية أشبه بقصص خيالية يوهمون المواطنين والناخبين فيها بأن النتائج ستكون كنهايات “القصص الوردية” أين يعيش الأمير والأميرة في سعادة وهناء.
باتت الشعبوية وسيلة مناسبة لاستغباء شريحة كبيرة من المواطنين والناخبين وباتت البرامج الانتخابية تفصل حسب “ما يشتهيه” المواطن ليس حبا فيه بل استدراجا له بطريقة مؤقتة إلى غاية وضعه للصوت في الصندوق ومن ثم يتحول “الدكتور” إلى “وباء” ويتحول “روبن هود” صديق الزوالية إلى “طاغية ولص”، ويتحول “التقي الورع” إلى فاسق سياسي، وغيرهم كثيرون ممن يفصلون وعودهــــــم حسب “الطلب” في سوق الشعبوية “إلى حين”.
ما أعيبه في كثير من عموم الناس هو إيمانهم بالكلام العامي أكثر من إيمانهم بالخطابات الصريحة التي تفضل مواجهتهم بالأمر الواقع على إيهامهم بما لا يمكن تحقيقه، ولكي نكون شعبا يمكنه فعلا أن يحدد مصيره بنفسه فعلينا أولا وقبل كل شيء أن نتحرى حقيقة كثير من المترشحين ونبحث في سيرهم ولا ننساق وراء “الكلام” كما تنساق النسوة وراء “الشعراء” الذين يهيمون في كل وادي ويقولون ما لا يفعلون، فعندما نبحث قد نجد أن “الحكيم” ليس حكيما بل “مجرد متسلق” وخريج تنظيمات بلطجية، وأن “روبن هود” ليس سوى صورة واقعية للشخصية الدرامية “مأمون بيك”، وعندما نبحث سنستطيع على الأقل تمييز المنافس الصريح الجاد من “الغوغائيين والشعبويين” ونستطيع تمييز “البنان من الخروب”، وإن لم نجد “موزة واحدة” فيكفي ألا ننخدع “بالخروب” ونظنه “بنان” كما ننخدع “بالخردل” ونظنه “بطاطا”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق