مواسم البوح

اللّغة والإبداع

همسة

اللّغة ربيبة الإبداع لا مراء في ذلك، ومن يحاول الإبداع خارج مجال امتلاك اللّغة والتمكن من أدواتها وآلياتها والإحاطة بأساليبها؛ فهو كمن يبني قصرا في رمال متحرّكة. ليست اللّغة شيئا ثانويّا أو تكميليّا للإبداع، بل هي من صميمه وجوهره الأصيل.. !

وهذا الذي يجعل من الترجمة لا تفي بالغرض الأساسي للنّص الفنّي، إلا إذا كان المترجم مبدعا متمكنا هو أيضا، والذي يعتبر الترجمة مجرّد نقل للنّص من لغة إلى لغة، يخطئ خطأ فادحا بل يُجرم في حقّ النّص المترجَم، وربّما تصحّ في هذا مقولة: ( الترجمة خيانة )، من هذا الباب يمكن تفهم هذه المقولة والتّصديق عليها، ويكون النّص المترجم مجرّد تشويه ونقل باهت للنّص الأصلي.

والإبداع هو نوع من الترجمة بوجه من الوجوه، ترجمة عن الذّات وما يختلج فيها من معان وأفكار خاصّة جدّا، لا يمكن أن تصل إلى القارئ بشكلها الصّحيح إلا باللغة السليمة والدّقيقة، ولذلك قال بعض الصوفيّة عمّا يشعرون به من أحاسيس وما يعيشونه من رؤى:

قد كانَ ما كانَ مما لستُ أذكرهُ * *  فظنّ خيراً ولا تسألْ عن الخبرِ

والمبدع البارع هو الذي يبلغ باللّغة مراده ويأسر بها قلوب قارئيه، وقد يصيب باللّفظ القليل المعاني الكثيرة والأفكار المتنوّعة، ومثل هذا يتجلّى في الشعر خصوصا إذ هو تكثيف للغة، وشحنها بمعان قويّة في كلمات معدودة، وتقاربه في هذا الأمر القصّة القصيرة جدا، أو قصّة الومضة، التي تقف عند مشهد واحد أو موقف فريد فتبهر به القارئ وتجعله يديره في رأسه أيّاما ولا تنفد مدّخرات معانيه، وتجليّات صوره..وكأني بكاتبها يقول مع المتنبيّ:

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا  *  *  وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

وهذا التكثيف الجميل والاختزال العبقري من خصائص اللغة العربية الكبرى، وهو خلاف الغموض الذي لا يدرك صاحبه نفسه ماذا يريد منه.. ! وإذا سئل عنه قال: (افهم أنت منه ما تشاء، وما خطر في ذهنك وعلى بالك )، فلعمري ذلك هو الهذيان المبين.

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق